يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (٢٠)
جفا الرجل الموضع إذا تركه ، و «تجافى الجنب» عن مضجعه إذا تركه وجافى الرجل جنبه عن مضجعه ، ومنه في الحديث «ويجافي بضبعيه» أي يبعدهما عن الأرض وعن يديه ، فقوله (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ) أي تبعد وتزول ، ومنه قول عبد الله بن رواحة : [الطويل]
|
نبيّ تجافى جنبه عن فراشه |
|
إذا استثقلت بالمشركين المضاجع |
ويروى يبيت يجافي ، قال الزجاج والرماني : التجافي التنحي إلى جهة فوق.
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا قول حسن ، وكذلك في الصفح عن المخطي في سب ونحوه ، و «الجنوب» جمع جنب ، و «المضجع» موضع الاضطجاع للنوم ، وقال أنس بن مالك : أراد بهذه الآية الصلاة بين المغرب والعشاء ، وقال عطاء وأبو سلمة أراد صلاة العشاء الآخرة ، وقال أبو محمد : وكانت الجاهلية ينامون من أول المغرب ومن أي وقت شاء الإنسان فجاء انتظار وقت العشاء الآخرة غريبا شاقا ، وقال أنس بن مالك أيضا : أراد انتظار العشاء الآخرة لأن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل وفي ذلك أحاديث كثيرة ، وقال الضحاك : «تجافي الجنب» هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة وهذا قول حسن يساعده لفظ الآية ، وقال الجمهور من المفسرين : أراد بهذا التجافي صلاة النوافل بالليل.
قال الفقيه الإمام القاضي : وعلى هذا التأويل أكثر الناس ، وهو الذي فيه المدح ، وفيه أحاديث عن النبي صلىاللهعليهوسلم يذكر قيام الليل ثم يستشهد بالآية ، ذكره الطبري عن معاذ بن جبل ، ورجح الزجاج هذا القول بأنهم جزوا بإخفاء فدل ذلك على أن العمل إخفاء أيضا وهو قيام الليل ، وقوله (يَدْعُونَ) يحتمل أن يكون في موضع الحال من الموصوفين ، أي في وقت التجافي ، ويحتمل أن يكون صفة مستأنفة ، أي (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ) وهم أيضا في كل أحوالهم (يَدْعُونَ) ليلهم ونهارهم. و «الخوف» من عذاب الله ، و «الطمع» في ثواب الله. و (يُنْفِقُونَ) قيل معناه الزكاة المفروضة وقيل النوافل والصدقات غير المفروضة وهذا القول أمدح ، ثم ذكر تعالى وعدهم من النعيم بما لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ملك ، وقرأ حمزة وحده «أخفي» بسكون الياء كأنه قال أخفي أنا وهي قراءة الأعمش ، وروي عنه «ما أخفيت لهم من قرة أعين» ، وقرأ عبد الله «ما نخفي لهم» بالنون مضمومة ، وروى المفضل عن الأعمش «ما يخفى لهم» بالياء المضمومة وفتح الفاء ، وقرأ محمد بن كعب «ما أخفى» بفتح الهمزة ، أي ما أخفى الله ، وقرأ جمهور الناس «أخفي» بفتح الياء على بناء الفعل للمفعول ، و (ما) يحتمل أن تكون بمعنى الذي ، فعلى القراءة الأولى فثم ضمير محذوف تقديره أخفيه ، وعلى قراءة الجمهور فالضمير الذي لم يسم فاعله يجري في العودة على الذي ، ويحتمل أن تكون استفهاما ، فعلى القراءة الأولى فهي في موضع نصب ب «أخفي» وعلى القراءة الثانية هي في موضع رفع بالابتداء ، و (قُرَّةِ أَعْيُنٍ) ما تلذه وتشتهيه وهي مأخوذة من القر كما
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٤ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3301_almuharrar-alwajiz-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
