وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) (٢٣)
اختلف الناس في معنى «تفقده الطير» ، فقالت فرقة ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والتهمم بكل جزء منها.
قال القاضي أبو محمد : وظاهر الآية أنه تفقد جميع الطير ، وقالت فرقة : بل «تفقد الطير» لأن الشمس دخلت من موضع (الْهُدْهُدَ) حين غاب ، فكان ذلك سبب تفقد الطير ليبين من أين دخلت الشمس ، وقال عبد الله بن سلام إنما طلب (الْهُدْهُدَ) لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض ، لأنه كان نزل في مفازة عدم فيها الماء ، وأن (الْهُدْهُدَ) كان يرى باطن الأرض وظاهرها كانت تشف له وكان يخبر سليمان بموضع الماء ، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة تسلخ عنه وجه الأرض كما تسلخ شاة قاله ابن عباس فيما روي عن أبي سلام وغيره ، وقال في كتاب النقاش كان (الْهُدْهُدَ) مهندسا ، وروي أن نافع بن الأزرق سمع ابن عباس يقول هذا فقال له : قف يا وقاف كيف يرى (الْهُدْهُدَ) باطن الأرض وهو لا يرى الفخ حين يقع فيه. فقال له ابن عباس رضي الله عنه: إذا جاء القدر عمي البصر. وقال وهب بن منبه : كانت الطير تنتاب سليمان كل يوم من كل نوع واحد نوبة معهودة ففقد (الْهُدْهُدَ) ، وقوله (ما لِيَ لا أَرَى) إنما مقصد الكلام (الْهُدْهُدَ) غاب لكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم ، وهذا ضرب من الإيجاز ، والاستفهام الذي في قوله (ما لِيَ) ، ناب مناب الألف التي تحتاجها أم ، ثم توعده عليهالسلام بالعذاب ، وروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن تنتف ، قال ابن جريج : ريشه أجمع ، وقال يزيد بن رومان : جناحاه ، وروى ابن وهب أنه بأن تنتف أجمع وتبقى بضعة تنزو ، و «السلطان» الحجة حيث وقع في القرآن ، قاله عكرمة عن ابن عباس ، وقرأ ابن كثير وحده «ليأتينني» بنونين ، وفعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظا عن العاصين وعقابا على إخلاله بنوبته ورتبته ، وقرأ جمهور القراء ، «فمكث» بضم الكاف ، وقرأ عاصم وحده «فمكث» بفتحها ، ومعناه في القراءتين أقام ، والفتح في الكاف أحسن لأنها لغة القرآن في قوله (ماكِثِينَ) [الكهف : ٣] إذ هو من مكث بفتح الكاف ، ولو كان من مكث بضم الكاف لكان جمع مكيث ، والضمير في «مكث» يحتمل أن يكون لسليمان أو ل (الْهُدْهُدَ) ، وفي قراءة ابن مسعود «فتمكث ثم جاء فقال» وفي قراءة أبي بن كعب «فتمكث» ثم قال (أَحَطْتُ) وقوله (غَيْرَ بَعِيدٍ) كما في مصاحف الجمهور يريد به في الزمن والمدة ، وقوله (أَحَطْتُ) أي علمت علما تاما ليس في علمك ، واختلف القراء في (سَبَإٍ) ، فقرأ جمهور القراء «سبأ» بالصرف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سبأ» بفتح الهمزة وترك الصرف ، وقرأ الأعمش «من سبإ» بالكسر وترك الصرف وروى ابن حبيب عن اليزيدي «سبا» بألف ساكنة ، وقرأ قنبل عن النبال بسكون الهمزة ، فالأولى على أنه اسم رجل وعليه قول الشاعر : [البسيط]
|
الواردون وتيم في ذرى سبإ |
|
قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس |
وقال الآخر : «من سبأ الحاضرين مآرب» ، وهذا على أنها قبيلة والثانية على أنها بلدة ، قاله الحسن
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٤ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3301_almuharrar-alwajiz-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
