المجادلة من فرعون تدل على أن موسى عليهالسلام دعاه إلى التوحيد فقال فرعون عند ذلك (أَلا تَسْتَمِعُونَ) على وجه الإغراء والتعجب من شنعة المقالة ، إذ كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك وهذه ضلالة منها في مصر وديارها إلى اليوم بقية فزاد موسى في البيان بقوله (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) ، فقال فرعون حينئذ على جهة الاستخفاف (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) وقرأ جمهور الناس على بناء الفعل للمفعول ، وقرأ حميد الأعرج ومجاهد «أرسل» على بناء الفعل للفاعل ، فزاد موسى عليهالسلام في بيان الصفات التي تظهر نقص فرعون وتبين له أنه في غاية البعد عن القدرة عليها وهي ربوبية (الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ، ولم يكن لفرعون إلا ملك مصر من البحر إلى أسوان وأرض الإسكندرية ، وفي قراءة ابن مسعود وأصحابه «رب المشارق والمغارب وما بينهما».
قوله عزوجل :
(قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ(٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ) (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) (٣٧)
لما انقطع فرعون في الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب ، وهذه أبين علامات الانقطاع ، فتوعّد موسى عليهالسلام بالسجن حين أعياه خطابه ، وفي توعده بالسجن ضعف لأنه خارت طباعه معه ، وكان فيما روي يفزع منه فزعا شديدا حتى كان لا يمسك بوله ، وروي أن سجنه كان أشد من القتل في مطبق لا ينطلق منه أبدا فكان مخوفا.
قال القاضي أبو محمد : وهذه نزعة دار النبود إلى اليوم ، وكان عند موسى عليهالسلام من أمر الله تعالى ما لا يفزعه توعد فرعون فقال له موسى على جهة اللطف به والطمع في إيمانه (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) يتضح لك معه صدقي ، أفكنت تسجنني ، فلما سمع فرعون ذلك طمع أن يجد أثناءه موضع معارضة فقال له (فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى) موسى عصاه من يده وكانت من عصي الجنة وكانت عصى آدم عليهالسلام ، ويروى أنها كانت من غير ورقة الريحان ، وكانت عند شعيب عليهالسلام في جملة عصي الأنبياء فأعطاها لموسى عليهالسلام عند رعايته له الغنم على صورة قد تقدم ذكرها دلت على نبوة موسى وكان لها في رأسها شعبتان فثم كان فم الحية وغير ذلك من قصص هذه ، ونزع يده من جيبه فإذا هي تتلألأ كأنها قطعة من الشمس ، فلما رأى فرعون ذلك هاله ولم يكن له فيه مدفع غير أنه فزع إلى رميه بالسحر ، وطمع ، لعلو علم السحر في ذلك الوقت وكثرته ، أن يكون فيه سبب لمقاومة موسى فأوهم قومه وأتباعه أن موسى عليهالسلام ساحر ، ثم استشارهم في أمره وأغراهم به في قوله (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٤ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3301_almuharrar-alwajiz-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
