بالصدق على العموم في أفعاله وأقواله وذلك يغترق صدق اللسان الذي يضاد الكذب ، وأبو بكر رضي الله عنه وصف ب «صدّيق» لكثرة ما صدق في تصديقه بالحقائق وصدق في مبادرته إلى الإيمان وما يقرب من الله تعالى ، و «الصديق» مراتب ألا ترى أن المؤمنين صديقون لقوله تعالى : (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) [الحديد : ١٩]. وقوله (يا أَبَتِ) ، اختلف النحاة في التاء من (أَبَتِ) ، فمذهب سيبويه أنها عوض من ياء الإضافة والوقوف عنده عليها بالهاء ، ومذهب الفراء أن يوقف عليها بالتاء ، لأن الياء التي للإضافة عنده منوية وجمهور القراء على كسر التاء ، وفي مصحف ابن مسعود «وا أبت» بواو للنداء ، وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر. «يا أبت» بفتح التاء ، ووجهها أنه أراد «يا أبتا» فحذف الألف وترك الفتحة دالة عليها ، ووجه آخر أن تكون التاء المقحمة كالتي في قوله يا طلحة وفي هذا نظر وقد لحن هارون هذه القراءة ، والذي (لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) ، هو الصنم ولو سمع وأبصر كما هي حالة الملائكة وغيرهم ممن عبد لم يحسن عبادتها ، لكن بين إبراهيم عليهالسلام بنفي السمع والبصر شنعة الرأي في عبادتها وفساده. وقوله (قَدْ جاءَنِي) يدل على أن هذه المقاولة هي بعد أن نبىء ، و «الصراط السوي» ، معناه الطريق المستقيم ، وهو طريق الإيمان. وقوله (يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ) ، مخاطبة بر واستعطاف على حالة كفره. وقوله (لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ) يحتمل أن يكون أبوه ممن عبد الجن ويحتمل أن يجعل طاعة الشيطان المعنوي في عبادة الأوثان والكفر بالله عبادة له. و «العصي» ، فعيل من عصى يعصي إذا خالف الأمر ، وقوله (أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ) قال الطبري وغيره (أَخافُ) بمعنى أعلم.
قال القاضي أبو محمد : والظاهر عندي أنه خوف على بابه ، وذلك أن إبراهيم عليهالسلام لم يكن في وقت هذه المقاولة يائسا من إيمان أبيه ، فكان يرجو ذلك وكان يخاف أن لا يؤمن ويتمادى على كفره إلى الموت فيمسه العذاب. و «الولي» الخالص المصاحب القريب بنسب أو مودة ، قال آزر وهو تارخ (أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي) ، والرغبة ميل النفس ، فقد تكون الرغبة في الشيء وقد تكون عنه ، وقوله (أَراغِبٌ) رفع بالابتداء و (أَنْتَ) فاعل به يسد مسد الخبر وحسن ذلك وقربه اعتماد «راغب» على ألف الاستفهام ، ويجوز أن يكون «راغب» خبرا مقدما و (أَنْتَ) ابتداء والأول أصوب وهو مذهب سيبويه. وقوله (عَنْ آلِهَتِي) ، يريد الأصنام وكان فيما روي ينحتها وينجرها بيده ويبيعها ويحض عليها فقرر ابنه إبراهيم على رغبته عنها على جهة الإنكار عليه ثم أخذ يتوعده ، وقوله (لَأَرْجُمَنَّكَ) اختلف فيه المتأولون ، فقال السدي وابن جريج والضحاك : معناه بالقول ، أي لأشتمنك (وَاهْجُرْنِي) أنت إذا شئت مدة من الدهر ، أو سالما حسب الخلاف الذي سنذكره. وقال الحسن بن أبي الحسن : معناه (لَأَرْجُمَنَّكَ) بالحجارة ، وقالت فرقة : معناه لأقتلنك ، وهذان القولان بمعنى واحد ، وقوله (وَاهْجُرْنِي) على هذا التأويل إنما يترتب بأنه أمر على حياله كأنه قال : إن لم تنته لأقتلنك بالرجم ، ثم قال له (وَاهْجُرْنِي) أي مع انتهائك كأنه جزم له الأمر بالهجرة وإلا فمع الرجم لا تترتب الهجرة و (مَلِيًّا) معناه دهرا طويلا مأخوذ من الملوين وهما الليل والنهار وهذا قول الجمهور والحسن ومجاهد وغيرهما فهو ظرف ، وقال ابن عباس وغيره (مَلِيًّا) معناه سليما منا سويا فهو حال من (إِبْراهِيمُ) عليهالسلام ، وتلخيص هذا أن يكون بمعنى قوله مستبدا بحالك غنيا عني مليا بالاكتفاء.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٤ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3301_almuharrar-alwajiz-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
