فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً)(١٠٦)
قوله (أَعْيُنُهُمْ) كناية عن البصائر ، لأن عين الجارحة لا نسبة بينها وبين الذكر ، والمعنى : الذين فكرهم بينها وبين (ذِكْرِي) والنظر في شرعي حجاب ، وعليها (غِطاءٍ) ثم قال إنهم (كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) يريد لإعراضهم ونفارهم عن دعوة الحق ، وقرأ جمهور الناس : «أفحسب الذين» بكسر السين بمعنى : أظنوا ، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وابن يعمر ومجاهد وابن كثير بخلاف عنه : «أفحسب» بسكون السين وضم الباء بمعنى أكافيهم ومنتهى غرضهم ، وفي مصحف ابن مسعود «أفظن الذين كفروا» ، وهذه حجة لقراءة الجمهور ، وقال جمهور المفسرين يريد كل من عبد من دون الله كالملائكة وعزير وعيسى ، فيدخل في (الَّذِينَ كَفَرُوا) بعض العرب واليهود والنصارى ، والمعنى أن ذلك ليس كظنهم ، بل ليس من ولاية هؤلاء المذكورين شيء ، ولا يجدون عندهم منتفعا و (أَعْتَدْنا) معناه : يسرنا ، و «النزل» موضع النزول ، و «النزل» أيضا ما يقدم للضيف أو القادم من الطعام عند نزوله ، ويحتمل أن يراد بالآية هذا المعنى أن المعد لهم بدل النزول جهنم ، كما قال الشاعر : [الوافر]
تحية بينهم ضرب وجيع
ثم قال تعالى : (هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً) الآية المعنى : قل لهؤلاء الكفرة على جهة التوبيخ : هل نخبركم بالذين خسروا عملهم وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم مع ذلك يظنون أنهم يحسنون فيما يصنعونه فإذا طلبوا ذلك ، فقل لهم : (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ) ، وقرأ ابن وثاب «قل سننبئكم» ، وهذه صفة المخاطبين من كفار العرب المكذبين ، بالبعث ، و «حبطت» معناه : بطلت ، و (أَعْمالُهُمْ) : يريد ما كان لهم من عمل خير ، وقوله (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) يحتمل أن يريد أنه لا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ، ومن لا حسنة له فهو في النار لا محالة ، ويحتمل أن يريد المجاز والاستعارة ، كأنه قال فلا قدر لهم عندنا يومئذ ، فهذا معنى الآية عندي ، وروى أبو هريرة عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال «يؤتى بالأكول الشروب الطويل فلا يزن بعوضة» ثم قرأ (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) وقالت فرقة : إن الاستفهام تم في قوله (أَعْمالاً) ثم قال : هم (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) فقال سعد بن أبي وقاص هم عباد اليهود والنصارى ، وأهل الصوامع والديارات ، وقال علي بن أبي طالب هم الخوارج ، وهذا إن صح عنه ، فهو على جهة مثال فيمن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن وروي أن ابن الكواء سأله عن (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً) فقال له أنت وأصحابك ، ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ) وليس من هذه الطوائف من يكفر بلقاء الله ، وإنما هذه صفة مشركي عبدة الأوثان ، فاتجه بهذا ما قلناه أولا وعلي وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقواما أخذوا بحظهم من صدر الآية ، وقوله (أَعْمالاً) نصب على التمييز ، وقرأ الجمهور «فحبطت» بكسر الباء ، وقرأ ابن عباس وأبو السمال «فحبطت» بفتح الباء ، وقرأ كعب بن عجرة والحسن وأبو عمرو ونافع والناس «فلا نقيم لهم» بنون العظمة ، وقرأ مجاهد «فلا يقيم» ، بياء الغائب ، يريد
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
