بشد التاء ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «فأتبع» بسكون التاء على وزن أفعل ، قال بعض اللغويين هما بمعنى واحد ، وكذلك تبع ، وقالت فرقة «أتبع» بقطع الألف : هي عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب ، و «اتبع» إنما يتضمن معنى الاقتفاء دون هذه القرائن ، قاله أبو زيد وغيره.
قال القاضي أبو محمد : واستقرأ هذا القائل هذه المقالة من القرآن كقوله عزوجل (فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ) [الصافات : ١٠] ، وكقوله (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ) [يونس : ٩٠] [طه : ٧٨] ، وكقوله تعالى : (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ) [الأعراف : ١٧٥] ، وهذا قول حكاه النقاش عن يونس بن حبيب ، وإذا تأملت «اتّبع» بشد التاء لم تربط لك هذا المعنى ولا بد. و «السبب» في هذه الآية ، الطريق المسلوكة ، لأنها سبب الوصول إلى المقصد ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم «في عين حمئة» ، على وزن فعلة ، أي ذات حماة ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ، والباقون في «عين حامية» ، أي حارة ، وقد اختلف في ذلك قراءة معاوية وابن عباس فقال ابن عباس «حمئة» ، وقال معاوية «حامية» ، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهم بالأمر كيف هو في التوراة ، فقال لهما أما العربية فأنتما أعلم بها مني ، ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في عين ثاط ، والثاط الطين. فلما انفصلا قال رجل لابن عباس : لوددت أني حضرت يا أبا العباس ، فكنت أنجدك بشعر تبع الذي يقول فيه في ذكر ذي القرنين : [الكامل]
|
قد كان ذو القرنين جدي مسلما |
|
ملكا تدين له الملوك ويحشد |
|
بلغ المشارق والمغارب يبتغي |
|
أسباب أمر من حكيم مرشد |
|
فرأى مغار الشمس عند غروبها |
|
في عين ذي خلب وثاط حرمد |
فالخلب : الطين ، والثاط : الحمأة ، الحرمد : الأسد ، ومن قرأ «حامئة» ، وجهها إلى الحرارة ، وروي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم نظر إلى الشمس وهي تغيب فقال «في نار الله الحامية ، لو لا ما يزعها من الله لأحرقت ما على الأرض» ، وروى أبو ذر أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم نظر إلى الشمس عند غروبها فقال «أتدري أين تغرب يا أبا ذر؟ قلت لا ، قال «إنها تغرب في عين حامية» ، فهذا يدل على أن العين هنالك حارة ، و «حامية» هي قراءة طلحة بن عبيد الله ، وعمرو بن العاص وابنه ، وابن عمر ، وذهب الطبري إلى الجمع بين الأمرين : فيقال يحتمل أن تكون العين حارة ، ذات حمأة فكل قراءة وصف بصفة من أحوالها ، وذهب بعض البغداديين إلى أن (فِي) بمنزلة عند ، كأنها مسامتة من الأرض فيما يرى الرائي ل (عَيْنٍ حَمِئَةٍ) وقال بعضهم : قوله (فِي عَيْنٍ) إنما المراد أن ذا القرنين كان فيها ، أي هي آخر الأرض.
قال القاضي أبو محمد : وظاهر هذه الأقوال تخيل والله أعلم ، قال أبو حاتم : وقد يمكن أن تكون «حاميئة» مهموزة ، بمعنى ذات حمأة ، فتكون القراءتان بمعنى واحد ، واستدل بعض الناس عل أن ذا القرنين نبي ، بقوله تعالى : (قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ) ومن قال إنه ليس بنبي ، قال كانت هذه المقالة من الله له بإلهام ، و (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ) بالقتل على الكفر (وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) أي بالإجمال على الإيمان ، واتباع الهدى ، فكأنه قيل له هذه لا تعطيها إلا إحدى خطتين : إما أن تكفر فتعذبها ، وإما أن تؤمن فتحسن
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
