وفي بسط قصصهما طول فاختصرته واقتصرت على معناه لقلة صحته ، ولأن في هذا ما يفي بفهم الآية ، وتأمل هذه الهيئة التي ذكر الله ، فإن المرء لا يكاد يتخيل أجمل منها في مكاسب الناس : جنتا عنب أحاط بهما نخل ، بينهما فسحة ، هي مزدرع لجميع الحبوب ، والماء الغيل يسقى جميع ذلك من النهر الذي قد جمل هذا المنظر ، وعظم النفع ، وقرب الكد ، وأغنى عن النواضح وغيرها. وقرأ الجمهور «كلتا» ، وفي مصحف عبد الله «كلا» ، والتاء في «كلتا» منقلبة من واو عند سيبويه وهو بالتاء أو بغير التاء اسم مفرد واقع على الشيء المثنى ، وليس باسم مثنى ، ومعناه كل واحدة منهما و «الأكل» ثمرها الذي يؤكل منها ، قال الفراء : وفي قراءة ابن مسعود «كل الجنتين آتى أكله» ، وقوله (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) أي لم تنقص عن العرف الأتم الذي يشبه فيها ، ومنه قول الشاعر : [الطويل]
|
تظلمني مالي كذا ولوى يدي |
|
لوى يده الله الذي هو غالبه |
وقرأ الجمهور «وفجّرنا» بشد الجيم ، وقرأ سلام ، ويعقوب وعيسى بن عمر. «وفجرنا» بفتح الجيم دون شد ، وقرأ الجمهور «نهرا» بفتح الهاء. وقرأ أبو السمال ، والفياض بن غزوان ، وطلحة بن سليمان : «نهرا» بسكون الهاء ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وابن عباس ومجاهد وجماعة قراء المدينة ومكة «ثمر» و «بثمره» [الكهف : ٤٢] بضم الثاء والميم ، جمع ثمار وقرأ أبو عمرو والأعمش وأبو رجاء بسكون الميم فيهما تخفيفا ، وهي في المعنى كالأولى ، ويتجه أن يكون جمع ثمرة كبدنة وبدن ، وقرأ عاصم «ثمر» وبثمره يفتح الميم والثاء فيهما ، وهي قراءة أبي جعفر والحسن وجابر بن زيد والحجاج ، واختلف المتأولون في «الثمر» بضم الثاء والميم ، فقال ابن عباس وقتادة : «الثّمر» جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك ، ويستشهد لهذا القول ببيت النابغة الذبياني : البسيط]
وما أثمّر من مال ومن ولد
وقال مجاهد يراد بها الذهب والفضة خاصة ، وقال ابن زيد «الثمر» هي الأصول التي فيها الثمر.
قال القاضي أبو محمد : كأنها ثمار وثمر ككتاب وكتب ، وأما من قرأ بفتح الثاء والميم ، فلا إشكال في أن المعنى ما في رؤوس الشجر من الأكل ، ولكن فصاحة الكلام تقتضي أن يعبر إيجازا عن هلاك الثمر والأصول بهلاك الثمر فقط ، فخصصها بالذكر إذ هي مقصود المستغل ، وإذ هلاك الأصول إنما يسوء منه هلاك الثمر الذي كان يرجى في المستقبل كما يقتضي قوله إن له «ثمرا» ، إن له أصولا كذلك تقتضي الإحاطة المطلقة بالثمر ، ان الأصول قد هلكت ، وفي مصحف أبي «وآتيناه ثمرا كثيرا» وقرأ أبو رجاء «وكان له ثمر» بفتح الثاء وسكون الميم ، والمحاورة مراجعة القول ، وهو من حار يحور. واستدل بعض الناس من قوله (وَأَعَزُّ نَفَراً) على أنه لم يكن أخاه ، وقال المناقض أراد ب «النفر» العبيد والخول ، إذ هم الذين ينفرون في رغائبه ، وفي هذا الكلام من الكبر والزهو والاغترار ما بيانه يغني عن القول فيه ، وهذه المقالة بإزاء قول عيينة والأقرع للنبي صلىاللهعليهوسلم نحن سادات العرب وأهل الوبر والمدر ، فنح عنا سلمان وقرناءه.
قوله عزوجل :
(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
