يرمي الموضع المشكل المجهول عنده بظنه المرة بعد المرة ، يرجمه به عسى أن يصيب ، ومن هذا هو الترجمان وترجمة الكتاب ، ومنه قول زهير : [الطويل]
|
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم |
|
وما هو عنها بالحديث المرجم |
والواو في قوله (وَثامِنُهُمْ) طريق النحويين فيها أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم ، لتفصل أمرهم ، وتدل على أن هذا نهاية ما قيل ، ولو سقطت لصح الكلام. وتقول فرقة منها ابن خالويه : هي واو الثمانية ، وذكر ذلك الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أن قريشا كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية تسعة ، فتدخل الواو في الثمانية.
قال القاضي أبو محمد : وقد تقدم شرحها ، وهي في القرآن في قوله (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [التوبة : ١١٢] وفي قوله (وَفُتِحَتِ) [النبأ : ١٩] ، وأما قوله تعالى : (ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) [التحريم : ٥] ، وقوله (سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ) [الحاقة : ٧] فتوهم في هذين الموضعين أنها واو الثمانية وليست بها بل هي لازمة لا يستغني الكلام عنها ، وقد أمر الله تعالى نبيه عليهالسلام في هذه الآية أن يرد علم «عدتهم» إليه عزوجل ، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل ، والمراد به قوم من أهل الكتاب ، وكان ابن عباس يقول : أنا من ذلك القليل ، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم ، ويستدل على هذا من الآية : بأن القرآن لما حكى قول من قال «ثلاثة وخمسة» قرن بالقول أنه رجم بالغيب فقدح ذلك فيها ، ثم حكى هذه المقالة ولم يقدح فيها بشيء ، بل تركها مسجلة ، وأيضا فيقوي ذلك على القول بواو الثمانية لأنها إنما تكون حيث عدد الثمانية صحيح ، وقوله تعالى : (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) معناه على بعض الأقوال ، أي بظاهر ما أوحيناه إليك ، وهو رد علم عدتهم إلى الله تعالى ، وقيل معنى «الظاهر» أن يقول ليس كما تقولون ، ونحو هذا ، ولا يحتج هو على أمر مقرر في ذلك فإن ذلك يكون مراء في باطن من الأمر ، وقال التبريزي : (ظاهِراً) معناه ذاهبا ، وأنشد :
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
ولم يبح له في هذه الآية أن يماري ، ولكن قوله (إِلَّا مِراءً) استعارة من حيث يماريه أهل الكتاب ، سميت مراجعته لهم (مِراءً) ، ثم قيد بأنه ظاهر ، ففارق المراء الحقيقي المذموم. و «المراء» مشتق من المرية ، وهو الشك ، فكأنه المشاككة ، والضمير في قوله (فِيهِمْ) عائد على أهل الكهف ، وفي قوله (مِنْهُمْ) عائد على أهل الكتاب المعاصرين ، وقوله (فَلا تُمارِ فِيهِمْ) يعني في عدتهم ، وحذفت العدة لدلالة ظاهر القول عليها ، وقوله (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ) الآية ، عاتب الله تعالى فيها نبيه عليهالسلام على قوله للكفار غدا أخبركم يجواب أسئلتكم ، ولم يستثن في ذلك ، فاحتبس عنه الوحي خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه ، وأرجف الكفار به ، فنزلت عليه هذه السورة مفرجة ، وأمر في هذه الآية أن يقول في أمر من الأمور : إني أفعل غدا كذا وكذا إلا وأن يعلق ذلك بمشيئة الله عزوجل ، واللام في قوله (لِشَيْءٍ) بمنزلة في أو كأنه قال لأجل شيء ، وقوله (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) في الكلام حذف يقتضيه الظاهر ، ويحسنه الإيجاز ، تقديره : إلا ان تقول إلا أن يشاء الله ، أو إلا أن تقول إن شاء الله ، فالمعنى إلا أن تذكر مشيئة الله ، فليس (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) من القول الذي نهي عنه وقالت فرقة : قوله (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) استثناء من قوله (وَلا
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
