بعينها ، والسّكر من غيرها». هكذا في الرواية الصحيحة بفتح السين والكاف ، أي جميع ما يسكر منه حرم على حد تحريم الخمر قليله وكثيره ، ورواه العراقيون ، و «السّكر» بضم السين وسكون الكاف وهذا مبني على فقههم في أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فقليله حلال ، وباقي الآية بين ، وقوله تعالى : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) الآية ، الوحي في كلام العرب إلقاء المعنى من الموحي إلى الموحى إليه في خفاء ، فمنه الوحي إلى الأنبياء برسالة الملك ، ومنه وحي الرؤيا ، ومنه وحي الإلهام ، وهو الذي في آياتنا هذه باتفاق من المتأولين ، والوحي أيضا بمعنى الأمر ، كما قال تعالى (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) [الزلزلة : ٥]. وقرأ يحيى بن وثاب «إلى النّخل» بفتح الحاء و (أَنِ) في قوله (أَنِ اتَّخِذِي) مفسرة ، وقد جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع ، إما في الجبال وكواها ، وإما في متجوف الأشجار ، وإما فيما يعرش ابن آدم من الأجباح والحيطان ونحوها ، و «عرش» معناه هيأ ، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إتقان الأغصان والخشب وترتيب ظلالها ، ومنه العريش الذي صيغ لرسول اللهصلىاللهعليهوسلم يوم بدر ، ومن هذا هي لفظة العريش ، ويقال عرش يعرش بكسر الراء وضمها ، وقرىء بهما ، قرأ ابن عامر بالضم وسائرهم بالكسر ، واختلف عن عاصم ، وجمهور الناس على الكسر ، وقرأ بالضم أبو عبد الرحمن وعبيد بن نضلة ، وقال ابن زيد في قوله : (يَعْرِشُونَ) قال الكروم ، وقال الطبري (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) يعني ما يبنون من السقوف.
قال القاضي أبو محمد : وهذا منهما تفسير غير متقن ، وقوله تعالى : (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) الآية ، المعنى ثم ألهمها أن كلي ، فعطف (كُلِي) على (اتَّخِذِي) ، و (مِنْ) للتبعيض ، أي كلي جزءا أو شيئا من كل الثمرات ، وذلك أنها إنما تأكل النوار من أشجار ، و «السبل» الطرق وهي مسالكها في الطيران وغيرها ، وأضافها إلى «الرب» من حيث هي ملكه وخلقه التي يسر لك ربك ، وقوله (ذُلُلاً) يحتمل أن يكون حالا من (النَّحْلِ) ، أي مطيعة منقادة لما يسرت له ، قاله قتادة ، وقال ابن زيد : فهم يخرجون بالنحل ينتجعون وهي تتبعهم ، وقرأ (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ) [يس : ٧١ ـ ٧٢] ، ويحتمل أن يكون حالا من «السبل» أي مسهلة مستقيمة ، قال مجاهد : لا يتوعر عليها سبيل تسلكه ، ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة والتنبيه على العبرة أمر العسل في قوله (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها) ، وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل ، وورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في تحقير الدنيا : أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ، وأشرف شرابه رجيع نحلة ، فظاهر هذا أنه من غير الفم ، و «اختلاف الألوان» في العسل بحسب اختلاف النحل والمراعي وقد يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي ، ومن هذا المعنى قول زينب للنبي صلىاللهعليهوسلم : جرست نحله العرفط حين شبهت رائحته برائحة المغافير ، وقوله (فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ) الضمير للعسل ، قاله الجمهور : ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان ، بل هو خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض دون بعض وعلى حال دون حال ، ففائدة الآية إخبار منبه منه في أنه دواء كما كثر الشفاء به وصار خليطا ومعينا للأدوية في الأشربة والمعاجين ، وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يشكو شيئا إلا تداوى بالعسل ، حتى إنه كان يدهن به الدمل والضرحة ويقرأ (فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ).
قال القاضي أبو محمد : وهذا يقتضي أنه يرى الشفاء به على العموم ، وقال مجاهد : الضمير
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
