هذا الوعيد إنما يكون بعذاب ما يلقون بعد الموت ، وإلا فبهذا تهلك الأمم كلها ، ويؤيد هذا قوله (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) أي إن هذه الرتبة الثالثة من الوعيد ، فيها رأفة ورحمة وإمهال ليتوب التائب ويرجع الراجع : والآخر أن يأخذ بالعذاب طائفة أو قرية ويترك أخرى ، ثم كذلك حتى يهلك الكل ، وقالت فرقة: «التخوف» هنا من الخوف أي يأخذهم بعد تخوف ينالهم فيعذبهم به.
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا القول تكلف ما ، وقوله (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) الآية ، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «أو لم يروا» بالياء على لفظ الغائب ، وكذلك في العنكبوت ، فهي جارية على قوله : (أَوْ يَأْخُذَهُمْ) ، وقوله : (أَوْ يَأْتِيَهُمُ) وقوله : (لا يَشْعُرُونَ) ، ورجحها الطبري ، وقرأ حمزة والكسائي «أو لم تروا» بالتاء في الموضعين ، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي عبد الرحمن ، وذلك يحتمل من المعنى وجهين أحدهما : أن يكون على معنى قل لهم يا محمد أو لم تروا ، والوجه الآخر أن يكون خطابا عاما لجميع الخلق ابتدأ به القول آنفا ، وقرأ عاصم في النحل بالتاء من فوق ، واختلف عنه في العنكبوت ، وقوله (مِنْ شَيْءٍ) لفظ عام في كل ما اقتضته الصفة في قوله (يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ) لأن ذلك صفة لما عرض العبرة في جميع الأشخاص التي لها ظل ، والرؤية هنا هي رؤية القلب ، ولكن الاعتبار برؤية القلب إنما تكون في مرئيات بالعين ، وقرأ أبو عمرو وحده «تتفيأ» بالتاء من فوق ، وهي قراءة عيسى ويعقوب ، وقرأ الجمهور «يتفيأ» ، قال أبو علي : إذا تقدم الفعل المنسوب إلى مثل هذا الجمع فالتذكير والتأنيث فيه حسنان ، وفاء الظل رجع بعكس ما كان إلى الزوال ، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها ، فإذا زالت ابتدأ رجوع الظل العام ، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس ، فيعم ، والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله فيئه لأنه لم يرجع بعد أن ذهب ، وكذلك قول حميد بن ثور :
|
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه |
|
ولا الفيء من برد العشي تذوق |
فهو على المهيع ، وكذلك قول علقمة بن عبدة : [الطويل]
|
تتبع أفياء الظلال عشية |
|
على طرق كأنهن سيوف |
وكذلك قول امرئ القيس :
يفيء عليها الظل
وأما النابغة الجعدي فقال : [الخفيف]
|
فسلام الإله يغدو عليهم |
|
وفيء الفردوس ذات الظلال |
فتجوز في أن جعل الفيء حيث لا رجوع ، وقال رؤبة بن العجاج : يقال بعد الزوال فيء وظل ، ولا يقال قبله إلا ظل فقط ، ويقال فاء الظل أي رجع من النقصان إلى الزيادة ، ويعدى فاء بالهمزة كقوله تعالى : (ما أَفاءَ اللهُ) [الحشر : ٧] ويعدى بالتضعيف فيقال أفاءه الله وفياه الله وتفيأ مطاوع فيا ، ولا يقال الفيء إلا من بعد الزوال في مشهور كلام العرب ، لكن هذه الآية الاعتبار فيها من أول النهار إلى آخره ، فكأن الآية
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
