شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ)(٢٧)
قال ابن عباس وغيره من المفسرين : الإشارة ب (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) إلى نمرود الذي بنى صرحا ليصعد فيه إلى السماء على زعمه ، فلما أفرط في علوه وطوله في السماء فرسخين على ما حكى النقاش ، بعث الله عليه رمحا فهدمته ، «وخر سقفه» عليه وعلى أتباعه ، وقيل : جبريل هدمه بجناحه وألقى أعلاه في البحر وانحقف من أسلفه ، وقالت فرقة أخرى : المراد ب (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) جميع من كفر من الأمم المتقدمة ومكر ونزلت فيه عقوبة من الله تعالى ، وقوله على هذا (فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ) إلى آخر الآية ، تمثيل وتشبيه ، أي حالهم بحال من فعل به هذا ، وقالت فرقة : المراد بقوله (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) أي جاءهم العذاب من قبل السماء.
قال القاضي أبو محمد : وهذا ينحو إلى اللعن ، ومعنى قوله (مِنْ فَوْقِهِمْ) رفع الاحتمال في قوله (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ) فإنك تقول انهدم على فلان بناؤه وهو ليس تحته ، كما تقول : انفسد عليه متاعه ، وقوله (مِنْ فَوْقِهِمْ) ألزم أنهم كانوا تحته. وقوله (فَأَتَى) أي أتى أمر الله وسلطانه ، وقرأ الجمهور «بنيانهم» ، وقرأت فرقة «بنيتهم» ، وقرأ جعفر بن محمد «بيتهم» ، وقرأ الضحاك «بيوتهم» ، وقرأ الجمهور «السقف» بسكون القاف ، وقرأت فرقة بضم القاف وهي لغة فيه ، وقرأ الأعرج «السّقف» بضم السين والقاف ، وقرأ مجاهد «السّقف» بضم السين وسكون القاف ، وقوله (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) الآية ، ذكر الله تعالى في هذه الآية المتقدمة حال هؤلاء الماكرين في الدنيا ، ثم ذكر في هذه حالهم في الآخرة وقوله (يُخْزِيهِمْ) لفظ يعم جميع المكاره التي تنزل بهم ، وذلك كله راجع إلى إدخالهم النار ، وهذا نظير قوله (رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران : ١٩٢]. وقوله (أَيْنَ شُرَكائِيَ) توبيخ لهم وأضافهم إلى نفسه في مخاطبة الكفار أي على زعمكم ودعواكم ، قال أبو علي : وهذا كما قال الله تعالى حكاية (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدخان : ٤٩] وكما قال (يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ) [الزخرف : ٤٩].
قال القاضي أبو محمد : والإضافات تترتب معقولة وملفوظا بأرق سبب ، وهذا كثير في كلامهم ، ومنه قول الشاعر :
|
إذا قلت قدني قال تالله حلفة |
|
لتغني عني ذا إنائك أجمعا |
فأضاف الإناء إلى حابسه ، وقرأ البزي عن ابن كثير «شركاي» بقصر الشركاء ، وقرأت فرقة «شركاءي» بالمد وياء ساكنة ، و (تُشَاقُّونَ) معناه تحاربون وتحارجون ، أي تكون في شق والحق في شق ، وقرأ الجمهور «تشاقون» بفتح النون ، وقرأ نافع وحده بكسر النون ، ورويت عن الحسن بخلاف وضعف هذه القراءة أبو حاتم ، وقد تقدم القول في مثله في الحجر في (تُبَشِّرُونَ) [الحجر : ٥٤] ، وقرأت فرقة «تشاقونّي» بشد النون وياء بعدها ، و (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) هم الملائكة فيما قال بعض المفسرين ، وقال يحيى بن سلام : هم المؤمنون وهذا الخطاب منهم يوم القيامة.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
