بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ)(٥٦)
قرأ أبو حيوة «ونبهم» بضم الهاء من غير همز ، وهذا ابتداء قصص بعد انصرام الغرض الأول ، و (ضَيْفِ) مصدر وصف به فهو للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد كعدل وغيره ، قال النحاس وغيره : التقدير عن أصحاب ضيف.
قال القاضي أبو محمد : ويغني عن هذا أن هذا المصدر عومل معاملة الأسماء كما فعل في رهن ونحوه ، والمراد ب «الضيف» هنا الملائكة الذين جاؤوا لإهلاك قوم لوط وبشروا إبراهيم ، وقد تقدم قصصهم. وقوله (سَلاماً) مصدر منصوب بفعل مضمر تقديره سلمنا أو نسلم سلاما ، والسلام هنا التحية ، وقوله (سَلاماً) حكاية قولهم فلا يعمل القول فيه ، وإنما يعمل إذا كان ما بعده ترجمة عن كلام ليس يحكى بعينه كما تقول لمن قال لا إله إلا الله قلت حقا ونحو هذا وقوله (إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) أي فزعون ، وإنما وجل إبراهيم عليهالسلام منهم لما قدم إليهم العجل الحنيذ فلم يرهم يأكلون ، وكانت عندهم العلامة المؤمنة أكل الطعام ، وكذلك هو في غابر الدهر أمنة للنازل والمنزول به ، وقرأ الجمهور «لا توجل» مستقبل وجل ، وقرأ الحسن «لا تؤجل» بضم التاء على بناء الفعل للمفعول من أوجل ، لأن وجل لا يتعدى ، وكانت هذه البشارة بإسحاق ، وذلك بعد مولد إسماعيل بمدة ، وقول إبراهيم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) [إبراهيم : ٣٩] وليس يقتضي أنهما حينئذ وهبهما بل قبل الحمد بكثير. وقرأ الجمهور «أبشرتموني» بألف الاستفهام ، وقرأ الأعرج «بشرتموني» بغير ألف. وقوله : (عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ) ، أي في حالة قد مسني فيها الكبر ، وقرأ ابن محيصن «الكبر» بضم الكاف وسكون الباء ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «تبشرون» بفتح النون التي هي علامة الرفع ، والفعل على هذه القراءة غير معدى ، وقرأ الحسن البصري «تبشروني» بنون مشددة وياء ، وقرأ ابن كثير بشد النون دون ياء ، وهذه القراءة أدغمت فيها نون العلامة في النون التي هي للمتكلم موطئة للياء ، وقرأ نافع «تبشرون» بكسر النون ، وغلط أبو حاتم نافعا في هذه القراءة ، وقال إن شاهد الشعر في هذا اضطرار.
قال القاضي أبو محمد : وهذا حمل منه ، وتقدير هذه القراءة أنه حذفت النون التي للمتكلم وكسرت النون التي هي علامة الرفع بحسب الياء ، ثم حذفت الياء لدلالة الكسرة عليها ، ونحو هذا قول الشاعر أنشده سيبويه : [الوافر]
|
تراه كالثغام يعل مسكا |
|
يسوء الفاليات إذا فليني |
ومنه قول الآخر :
|
أبالموت الذي لا بد أني |
|
ملاق لا أباك تخوفيني |
ومن حذف هذه النون قول الشاعر :
قدني من نصر الخبيبين قدي
يريد عبد الله ومصعبا ابني الزبير ، وكان عبد الله يكنى أبا خبيب ، وقرأ الحسن «فبم تبشرون» بفتح
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
