مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)(٣٣)
(إِذْ) نصب بإضمار فعل تقديره : اذكر إذ قال ربك ، و «البشر» هنا آدم ، وهو مأخوذ من البشرة ، وهي وجه الجلد ، في الأشهر من القول. ومنه قول النبي عليهالسلام : «وافقوا البشر». وقيل : البشرة ما يلي اللحم ، ومنه قولهم في المثل : إنما يعاتب الأديم ذو البشرة لأن تلك الجهة هي التي تبشر.
وأخبر الله تعالى الملائكة بعجب عندهم ، وذلك أنهم كانوا مخلوقين من نور ـ فهي مخلوقات لطاف ـ فأخبرهم : أنه لا يخلق جسما حيا ذا بشرة وأنه يخلقه (مِنْ صَلْصالٍ).
قال القاضي أبو محمد : «والبشر» والبشارة أيضا أصلهما البشرة لأنهما فيها يظهران.
و (سَوَّيْتُهُ) معناه : كملته وأتقنته حتى استوت أجزاؤه على ما يجب ، وقوله : (مِنْ رُوحِي) إضافة خلق وملك إلى خالق مالك ، أي من الروح الذي هو لي ولفظة الروح هنا للجنس.
وقوله : (فَقَعُوا) من وقع يقع ، وفتحت القاف لأجل حرف الحلق ، وهذه اللفظة تقوي أن سجود الملائكة إنما كان على المعهود عندنا ، لا أنه خضوع وتسليم ، وإشارة ، كما قال بعض الناس ، وشبهوه بقول الشاعر [أبي الأخزر الحماني] : [الطويل]
|
فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها |
|
كما سجدت نصرانة لم تحنف |
وهذا البيت يشبه أن يكون السجود فيه كالمعهود عندنا.
وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس : أنه قال : خلق الله ملائكة أمرهم بالسجود لآدم فأبوا ، فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم خلق آخرين فأمرهم بالسجود فأطاعوا إلا إبليس فإنه كان من الأولين.
قال القاضي أبو محمد : وقول ابن عباس ـ من الأولين ـ يحتمل أن يريد في حالهم وكفرهم ، ويحتمل أن يريد : في أنه بقي منهم.
وقوله : (كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) هو ـ عند سيبويه ـ تأكيد بعد تأكيد ، يتضمن الآخر ما تضمن الأول. وقال غيره : (كُلُّهُمْ) لو وقف عليه ـ لصلحت للاستيفاء ، وصلحت على معنى المبالغة مع أن يكون البعض لم يسجد ، وهذا كما يقول القائل : كل الناس يعرف كذا ، وهو يريد أن المذكور أمر مشتهر ، فلما قال : (أَجْمَعُونَ) رفع الاحتمال في أن يبقى منهم أحد ، واقتضى الكلام أن جميعهم سجد. وقال ابن المبرد : لو وقف على (كُلُّهُمْ) لاحتمل أن يكون سجودهم في مواطن كثيرة ، فلما قال : (أَجْمَعُونَ) دل على أنهم سجدوا في موطن واحد.
قال القاضي أبو محمد : واعترض قول المبرد بأنه جعل قوله : (أَجْمَعُونَ) حالا. بمعنى مجتمعين،
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
