(وَاجْنُبْنِي) معناه : وامنعني ، يقال : جنبه كذا وجنبه وأجنبه : إذا منعه من الأمر وحماه منه.
وقرأ الجحدري والثقفي «وأجنبني» بقطع الألف وكسر النون.
وأراد إبراهيم بني صلبه ، وكذلك أجيبت دعوته فيهم ، وأما باقي نسله فعبدوا الأصنام ، وهذا الدعاء من الخليل عليهالسلام يقتضي إفراط خوفه على نفسه ومن حصل في رتبته ، فكيف يخاف أن يعبد صنما؟! لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها في الخوف وطلب الخاتمة.
و (الْأَصْنامَ) هي المنحوتة على خلقة البشر ، وما كان منحوتا على غير خلقة البشر فهي أوثان ، قاله الطبري عن مجاهد.
ونسب إلى الأصنام أنها أضلت كثيرا من الناس ـ تجوز ـ إذ كانت عرضة الإضلال ، والأسباب المنصوبة للغيّ ، وعليها تنشأ الأغيار ، وحقيقة الإضلال إنما هي لمخترعه ، وقيل : أراد بالأصنام هنا الدنانير والدراهم.
وقوله : (وَمَنْ عَصانِي) ظاهره بالكفر ، بمعادلة قوله : (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) ، وإذا كان ذلك كذلك فقوله : (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) معناه : بتوبتك على الكفرة حتى يؤمنوا ، لا أنه أراد أن الله يغفر لكافر ، لكنه حمله على هذه العبارة ما كان يأخذ نفسه به من القول الجميل والنطق الحسن وجميل الأدب ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قال قتادة : اسمعوا قول الخليل صلىاللهعليهوسلم ، والله ما كانوا طعانين ولا لعانين ، وكذلك قال نبي الله عيسى (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة : ١١٨] وأسند الطبري عن عبد الله بن عمر حديثا إلى النبي صلىاللهعليهوسلم : تلا هاتين الآيتين ثم دعا لأمته ، فبشر فيهم وكان إبراهيم التيمي يقول : من يأمن على نفسه بعد خوف إبراهيم الخليل على نفسه من عبادة الأصنام؟
وقوله : (مِنْ ذُرِّيَّتِي) يريد : إسماعيل عليهالسلام ، وذلك أن سارة لما غارت بهاجر ـ بعد أن ولدت إسماعيل ـ تعذب إبراهيم عليهالسلام ، بهما ، فروي أنه ركب البراق ـ هو وهاجر والطفل ـ فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة ، فنزل وترك ابنه وأمته هنالك ، وركب منصرفا من يومه ذلك ، وكان هذا كله بوحي من الله تعالى فلما ولّى دعا بمضمن هذه الآية ، وأما كيفية بقاء هاجر وما صنعت وسائر خبر إسماعيل ، ففي كتاب البخاري والسير وغيره.
و (مِنْ) في قوله : (مِنْ ذُرِّيَّتِي) للتبعيض ، لأن إسحاق كان بالشام ، و «الوادي» : ما بين الجبلين ، وليس من شروطه أن يكون فيه ماء.
وهذه الآية تقتضي أن إبراهيم عليهالسلام قد كان علم من الله تعالى أنه لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي ، وأنه يرزقهما الماء ، وإنما نظر النظر البعيد للعاقبة فقال : (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) ، ولو لم يعلم ذلك من الله لقال : غير ذي ماء على ما كانت عليه حال الوادي عند ذلك.
وقوله : (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) إما أن يكون البيت قد كان قديما ـ على ما روي قبل الطوفان ، وكان علمه عند إبراهيم ـ وإما أن يكون قالها لما كان قد أعلمه الله تعالى أنه سيبني هنالك بيتا لله تعالى ، فيكون
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
