قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)(٣٠)
القول (الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) ، كلمة الإخلاص والنجاة من النار : لا إله إلا الله ، والإقرار بالنبوة.
وهذه الآية تعم العالم من لدن آدم عليهالسلام إلى يوم القيامة ، وقال طاوس وقتادة وجمهور العلماء : (الْحَياةِ الدُّنْيا) هي مدة حياة الإنسان. (وَفِي الْآخِرَةِ) هي وقت سؤاله في قبره. وقال البراء بن عازب وجماعة (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) هي وقت سؤاله في قبره ـ ورواه البراء عن النبي عليهالسلام في لفظ متأول.
قال القاضي أبو محمد : ووجه القول لأن ذلك في مدة وجود الدنيا.
وقوله (فِي الْآخِرَةِ) هو يوم القيامة عند العرض.
قال القاضي أبو محمد : والأول أحسن ، ورجحه الطبري.
و (الظَّالِمِينَ) في هذه الآية ، الكافرين ، بدليل أنه عادل بهم المؤمنين ، وعادل التثبيت بالإضلال ، وقوله : (وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ) تقرير لهذا التقسيم المتقدم ، كأن امرأ رأى التقسيم فطلب في نفسه علته ، فقيل له : (وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ) بحق الملك.
وفي هذه الآية رد على القدرية.
وذكر الطبري في صفة مساءلة العبد في قبره أحاديث ، منها ما وقع في الصحيح. وهي من عقائد الدين ، وأنكرت ذلك المعتزلة. ولم تقل بأن العبد يسأل في قبره ، وجماعة السنة تقول : إن الله يخلق له في قبره إدراكات وتحصيلا ، إما بحياة كالمتعارفة ، وإما بحضور النفس وإن لم تتلبس بالجسد كالعرف ، كل هذا جائز في قدرة الله تعالى ، غير أن في الأحاديث : «إنه يسمع خفق النعال» ، ومنها : «إنه يرى الضوء كأن الشمس دنت للغروب» ، وفيها : «إنه ليراجع» ، وفيها : «فيعاد روحه إلى جسده» ، وهذا كله يتضمن الحياة ـ فسبحان رب هذه القدرة.
وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً) الآية ، هذا تنبيه على مثال من ظالمين أضلوا ، والتقدير : بدلوا شكر نعمة الله كفرا ، وهذا كقوله : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة : ٨٢].
و (نِعْمَتَ اللهِ) المشار إليها في هذه الآية هو محمد عليهالسلام ودينه ، أنعم الله به على قريش ، فكفروا النعمة ولم يقبلوها ، وتبدلوا بها الكفر.
والمراد ب (الَّذِينَ) كفرة قريش جملة ـ هذا بحسب ما اشتهر من حالهم ـ وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين. وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب : أنها نزلت في الأفجرين من قريش : بني مخزوم وبني أمية. قال عمر : فأما بنو المغيرة فكفوا يوم بدر. وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين ، وقال ابن عباس : هذه الآية في جبلة بن الأيهم.
قال القاضي أبو محمد : ولم يرد ابن عباس أنها فيه نزلت لأن نزول الآية قبل قصته ، وإنما أراد أنها تحصر من فعل جبلة إلى يوم القيامة.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
