لتعودن في سكوتكم عنا وكونكم أغفالا ، وذلك عند الكفار كون في ملتهم.
وخصص تعالى (الظَّالِمِينَ) من الذين كفروا إذ جائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا المقالة ناس ، فإنما توعد بالإهلاك من خلص للظلم.
وقوله : (لَنُسْكِنَنَّكُمُ) الخطاب للحاضرين ، والمراد هم وذريتهم ، ويترتب هذا المعنى في قوله : (وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) [إبراهيم : ١٠] أي يؤخركم وأعقابكم.
وقرأ أبو حيوة : «ليهلكن» و «ليسكننكم» بالياء فيهما.
وقوله : (مَقامِي) يحتمل أن يريد به المصدر من القيام على الشيء بالقدرة ، ويحتمل أن يريد به الظرف لقيام العبد بين يديه في الآخرة ، فإضافته ـ إذا كان مصدرا ـ إضافة المصدر إلى الفاعل ، وإضافته ـ إذا كان ظرفا ـ إضافة الظرف إلى حاضره ، أي مقام حسابي ، فجائز قوله : (مَقامِي) وجائز لو قال : مقامه ، وجائز لو قال : مقام العرض والجزاء ، وهذا كما تقول : دار الحاكم ودار الحكم ودار المحكوم عليهم.
وقال أبو عبيدة : (مَقامِي) مجازه ، حيث أقيمه بين يدي للحساب ، و «الاستفتاح» طلب الحكم ، والفتاح : الحاكم ، والمعنى : أن الرسل استفتحوا ، أي سألوا الله تعالى إنفاذ الحكم بنصرهم وتعذيب الكفرة ، وقيل : بل استفتح الكفار ، على نحو قول قريش (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) [ص : ١٦] وعلى نحو قول أبي جهل في بدر اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة. هذا قول أبي زيد.
وقرأت فرقة «واستفتحوا» بكسر التاء ، على معنى الأمر للرسل ، قرأها ابن عباس ومجاهد وابن محيصن.
و (خابَ) معناه : خسر ولم ينجح ، و «الجبار» : المتعظم في نفسه ، الذي لا يرى لأحد عليه حقّا ، وقيل : معناه يجبر الناس على ما يكرهون.
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو المفهوم من اللفظ ، وعبر قتادة وغيره عن «الجبار» بأنه الذي يأبى أن يقول : لا إله إلا الله.
و «العنيد» الذي يعاند ولا ينقاد ، وقوله : (مِنْ وَرائِهِ) ذكر الطبري وغيره من المفسرين : أن معناه : من أمامه ، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى (وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ) [الكهف : ٧٩] وأنشد الطبري :
|
أتوعدني وراء بني رياح |
|
كذبت لتقصرن يداك دوني |
قال القاضي أبو محمد : وليس الأمر كما ذكر ، و «الوراء» هنا على بابه ، أي هو ما يأتي بعد في الزمان ، وذلك أن التقدير في هذه الحوادث بالأمام والوراء إنما هو بالزمان ، وما تقدم فهو أمام وهو بين اليد ، كما تقول في التوراة والإنجيل إنها بين يدي القرآن ، والقرآن وراءهما على هذا ، وما تأخر في الزمان فهو وراء المتقدم ، ومنه قولهم لولد الولد ، الوراء ، وهذا الجبار العنيد وجوده وكفره وأعماله في وقت ما ، ثم بعد ذلك في الزمان يأتيه أمر جهنم.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
