وقرأت فرقة بتسهيل الثانية «إنك» ، وقرأ ابن محيصن وقتادة وابن كثير «إنك» على الخبر وتأكيده وقرأ أبي بن كعب «أإنك أو أنت يوسف» قال أبو الفتح : ينبغي أن يكون هذا على حذف خبر «إن» كأنه قال : أإنك لغير يوسف أو أنت يوسف؟ وحكى أبو عمرو الداني : أن في قراءة أبي بن كعب : «أو أنت يوسف» وتأولت فرقة ممن قرأ «إنك» إنها استفهام بإسقاط حرف الاستفهام ، فأجابهم يوسف كاشفا أمره قال : (أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي) وقال مجاهد : أراد (مَنْ يَتَّقِ) في ترك المعصية ويصبر في السجن. وقال إبراهيم النخعي : المعنى : (مَنْ يَتَّقِ) الزنى ويصبر على العزوبة.
قال القاضي أبو محمد : ومقصد اللفظ إنما هو العموم في العظائم ، وإنما قال هذان ما خصصا ، لأنها كانت من نوازله ، ولو فرضنا نزول غيرها به لا تقى وصبر.
وقرأ الجمهور «من يتق ويصبر» وقرأ ابن كثير وحده : «من يتقي ويصبر» بإثبات الياء ، واختلف في وجه ذلك ، فقيل : قدر الياء متحركة وجعل الجزم في حذف الحركة ، وهذا كما قال الشاعر: [الوافر]
|
ألم يأتيك والأنباء تنمي |
|
بما لاقت لبون بني زياد |
قال أبو علي : وهذا مما لا نحمله عليه ، لأنه يجيء في الشعر لا في الكلام ، وقيل : «من» بمعنى الذي و «يتقي» فعل مرفوع ، و «يصبر» عطف على المعنى لأن «من» وإن كانت بمعنى الذي ففيها معنى الشرط ، ونحوه قوله تعالى : (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) [المنافقون : ١٠] وقيل : أراد «يصبر» بالرفع لكنه سكن الراء تخفيفا ، كما قرأ أبو عمرو : (وَيَأْمُرُكُمْ) [البقرة : ٦٧] بإسكان الراء.
وقوله تعالى : (قالُوا : تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا) الآية ، هذا منهم استنزال ليوسف وإقرار بالذنب في ضمنه استغفار منه. و (آثَرَكَ) لفظ يعم جميع التفضيل وأنواع العطايا ، والأصل فيها همزتان وخففت الثانية ، ولا يجوز تحقيقها ، والمصدر إيثار ، وخاطئين من خطىء يخطأ ، وهو المعتمد للخطأ ، والمخطئ من أخطأ ، وهو الذي قصد الصواب فلم يوفق إليه ، ومن ذلك قول الشاعر ـ وهو أمية بن الأسكر ـ [الوافر]
|
وإن مهاجرين تكتفاه |
|
غداة إذ لقد خطئا وخابا |
وقوله : (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) عفو جميل ، وقال عكرمة : أوحى الله إلى يوسف : بعفوك على إخوتك رفعت لك ذكرك ؛ وفي الحديث : أن أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية لما وردا مهاجرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرض عنهما لقبح فعلهما معه قبل ، فشق ذلك عليهما وأتيا أبا بكر فكلفاه الشفاعة ، فأبى ، وأتيا عمر فكذلك ، فذهب أبو سفيان بن الحارث إلى ابن عمه علي ، وذهب عبد الله إلى أخته أم سلمة ، فقال علي رضي الله عنه : الرأي أن تلقيا رسول الله صلىاللهعليهوسلم في الحفل فتصيحان به : (تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ) فإنه لا يرضى أن يكون دون أحد من الأنبياء فلا بد لذلك أن يقول : لا تثريب عليكما ، ففعلا ذلك ، فقال لهما رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) الآية.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
