يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ)(٥٧)
المعنى أن الملك لما تبينت له براءة يوسف مما نسب إليه ، وتحقق في القصة أمانته ، وفهم أيضا صبره وجلده ، عظمت منزلته عنده وتيقن حسن خلاله فقال : (ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي).
قال القاضي أبو محمد : وهذا الذي أمّ يوسف عليهالسلام بتثبته في السجن أن يرتقي إلى أعلى المنازل ، فتأمل أن الملك قال أولا ـ حين تحقق علمه ـ (ائْتُونِي بِهِ) [يوسف : ٥٠] فقط ، فلما فعل يوسف ما فعل ، فظهرت أمانته وصبره وعلو همته وجودة نظره قال : (ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) ، فلما جاءه وكلمه قال : (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ) فدل ذلك على أنه رأى من كلامه وحسن منطقه ما صدق به الخبر أو أربى عليه ، إذ المرء مخبوء تحت لسانه ؛ ثم لما زاول الأعمال مشى القدمية حتى ولاه خطة العزيز.
و (أَمِينٌ) من الأمانة ، وقالت فرقة هو بمعنى آمن.
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ، لأنه يخرج من نمط الكلام وينحط إكرام يوسف كثيرا ويروى أن الملك لما أدنى يوسف قال له : إني أشاركك في كل شيء إلا أني أحب أن لا تشركني في أهلي وأن لا يأكل معي عبدي ، فقال له يوسف : أتأنف أن آكل معك؟ أنا أحق أن آنف ، أنا ابن إبراهيم الخليل ، وابن إسحاق الذبيح ، وابن يعقوب الصديق.
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا الحديث بعد وضعف ، وقد قال ابن ميسرة : إنما جرى هذا في أول أمره ، كان يأكل مع العزيز ، فلما جرت قصد المرأة قالت للعزيز : أتدع هذا يواكلك؟ فقال له : اذهب فكل مع العبيد ؛ فأنف وقال ما تقدم.
اما ان الظاهر من قصته وقت محاورة الملك أنه كان على عبودية ، وإلا كان اللائق به أن ينتحي بنفسه عن عمل الكافر ، لأن القوم كانوا أهل أوثان ومحاورة يوسف لصاحبي السجن تقضي بذلك.
وسمى الله تعالى فرعون مصر ملكا إذ هي حكاية اسم مضى حكمه وتصرم زمنه ، ولو كان حيا لكان حكما له إذا قيل لكافر : ملك أو أمير ، ولهذا كتب النبي صلىاللهعليهوسلم إلى هرقل فقال : «عظيم الروم» ، ولم يقل : ملكا ولا أميرا ، لأن ذلك حكم ، والحق أن يسلم ويسلموا. وأما كونه عظيمهم فتلك صفة لا تفارقه كيفما تقلب ، ولو كتب له النبي عليهالسلام : أمير الروم ، لتمسك بتلك الحجة على نحو تمسك زياد في قوله : شهد ـ والله ـ لي أبو الحسن.
وقوله تعالى : (اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ) الآية ، فهم يوسف عليهالسلام من الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره في الملك ، فألقى يده في الفصل الذي تمكنه فيه المعدلة ويترتب له الإحسان إلى من يجب ووضع الحق على أهله وعند أهله.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
