والثاني : أن تكون مخاطبة من الله تعالى للمؤمنين : أي فإن لم يستجب الكفار إلى ما دعوا إليه من المعارضة فاعلموا أن ذلك من عند الله ، وهذا على معنى دوموا على علمكم لأنهم كانوا عالمين بذلك. قال مجاهد : قوله تعالى : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) هو لأصحاب محمد صلىاللهعليهوسلم.
وقوله تعالى : (بِعِلْمِ اللهِ) يحتمل معنيين :
أحدهما : بإذنه وعلى علم منه.
والثاني : أنه أنزل بما علمه الله تعالى من الغيوب ، فكأنه أراد المعلومات له وقوله : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) تقرير.
وقوله تعالى : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا ...) الآية ، قالت فرقة : ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الكفرة : هذا قول قتادة والضحاك ، وقال مجاهد : هي في الكفرة وفي أهل الرياء من المؤمنين : وإلى هذا ذهب معاوية حين حدثه سيافه شفي بن ماتع الأصبحي عن أبي هريرة بقول رسول الله صلىاللهعليهوسلم في الرجل المتصدق والمجاهد المقتول والقائم بالقرآن ليله ونهاره وكل ذلك رياء ، «إنهم أول من تسعر به النار يوم القيامة» فلما حدثه شفي بهذا الحديث ، بكى معاوية وقال : صدق الله ورسوله : وتلا : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ...) الآية ، إلى قوله : (وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ).
فأما من ذهب إلى أنها في الكفرة فمعنى قوله (يُرِيدُ) يقصد ويعتمد ، أي هي وجهه ومقصده لا مقصد له غيرها. فالمعنى : من كان يريد بأعماله الدنيا فقط إذ لا يعتقد آخرة ، فإن الله يجازيه على حسن أعماله ـ في الدنيا ـ بالنعم والحواس وغير ذلك : فمنهم مضيق عليه ومنهم موسع له ، ثم حكم عليهم بأنهم لا يحصل لهم يوم القيامة إلا بالنار ولا تكون لهم حال سواها.
قال القاضي أبو محمد : فاستقام هذا المعنى على لفظ الآية. وهو عندي أرجح التأويلات ـ بحسب تقدم ذكر الكفار المناقضين في القرآن ـ فإنما قصد بهذه الآية (أُولئِكَ).
وأما من ذهب إلى أنها في العصاة من المؤمنين فمعنى (يُرِيدُ) عنده يحب ويؤثر ويفضل ويقصد ، وإن كان له مقصدا آخر بإيمانه فإن الله يجازيه على تلك الأعمال الحسان التي لم يعملها لله بالنعم في الدنيا ، ثم يأتي قوله : (لَيْسَ لَهُمْ) بمعنى ليس يجب لهم أو يحق لهم إلا النار ، وجائز أن يتغمدهم الله برحمته ، وهذا هو ظاهر ألفاظ ابن عباس وسعيد بن جبير.
وقال أنس بن مالك : هي في أهل الكتاب.
قال القاضي أبو محمد : ومعنى هذا أن أهل الكتاب الكفرة يدخلون في هذه الآية ، لا أنها ليست في غيرهم.
وقرأ جمهور الناس : «نوف» بنون العظمة ؛ وقرأ طلحة وميمون بن مهران «يوف» بياء الغائب.
و (يُبْخَسُونَ) معناه : يعطون أقل من ثوابهم ، و (حَبِطَ) معناه : يبطل وسقط ومنه قول النبي صلىاللهعليهوسلم : «يقتل حبطا أو يلم» ، وهي مستعملة في فساد الأعمال ، والضمير في قوله : (فِيها) عائد
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٣ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3297_almuharrar-alwajiz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
