بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (١٠٢)
(جَعَلُوا) بمعنى صيروا ، و (الْجِنَ) مفعول و (شُرَكاءَ) مفعول ثان مقدم ، ويصح أن يكون قوله (شُرَكاءَ) مفعولا أولا و (لِلَّهِ) في موضع المفعول الثاني و (الْجِنَ) بدل من قوله (شُرَكاءَ) ، وهذه الآية مشيرة إلى العادلين بالله والقائلين إن الجن تعلم الغيب العابدين للجن ، وكانت طوائف من العرب تفعل ذلك وتستجير بجن الأودية في أسفارها ونحو هذا ، أما الذين «خرقوا البنين» فاليهود في ذكر عزير والنصارى في ذكر المسيح ، وأما ذاكرو البنات فالعرب الذين قالوا للملائكة بنات الله ، فكأن الضمير في (جَعَلُوا) و (خَرَقُوا) لجميع الكفار إذ فعل بعضهم هذا ، وبنحو هذا فسر السدي وابن زيد ، وقرأ شعيب بن أبي حمزة «شركاء الجنّ» بخفض النون ، وقرأ يزيد بن قطيب وأبو حيوة «الجن والجن» بالخفض والرفع على تقديرهم الجن ، وقرأ الجمهور «وخلقهم» بفتح اللام على معنى وهو خلقهم ، وفي مصحف عبد الله بن مسعود «وهو خلقهم» يحتمل العودة على الجاعلين ويحتملها على المجعولين ، وقرأ يحيى بن يعمر «وخلقهم» بسكون اللام عطفا على الجن أي جعلوا خلقهم الذي ينحتونه أصناما شركاء بالله ، وقرأ السبعة سوى نافع «وخرقوا» بتخفيف للراء وهو بمعنى اختلفوا وافتروا وقرأ نافع «وخرّقوا» بتشديد الراء على المبالغة ، وقرأ ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما «وحرّفوا» من التحريف كذا قال أبو الفتح ، قال أبو عمرو الداني قرأ ابن عباس «حرفوا» خفيفة الراء ، وابن عمر «حرّفوا» مشددة الراء ، وقوله (بِغَيْرِ عِلْمٍ) نص على قبح تقحمهم المجهلة وافترائهم الباطل على عمى ، (سُبْحانَهُ) أي تنزه عن وصفهم الفاسد المستحيل عليه تبارك وتعالى و (بَدِيعُ) بمعنى : مبدع ومخترع وخالق ، فهو بناء اسم فاعل كما جاء : سميع بمعنى مسمع و (أَنَّى) بمعنى كيف ومن أين ، فهي استفهام في معنى التوقيف والتقرير ، وقرأ جمهور الناس «ولم تكن» بالتاء على تأنيث علامة الفعل ، وقرأ إبراهيم النخعي : بالياء على تذكيرها وتذكير كان وأخواتها مع تأنيث اسمها أسهل من ذلك في سائر الأفعال ، فقولك : كان في الدار هند أسوغ من قام في الدار هند ، وحسن القراءة الفصل بالظرف الذي هو الخبر ويتجه في القراءة المذكورة أن يكون في (تَكُنْ) ضمير اسم الله تعالى ، وتكون الجملة التي هي (لَهُ صاحِبَةٌ) خبر كان ، ويتجه أن يكون في «يكن» ضمير أمر وشأن وتكون الجملة بعد تفسيرا له وخبرا ، وهذه الآية رد على الكفار بقياس الغائب على الشاهد ، وقوله (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) لفظ عام لكل ما يجوز أن يدخل تحته ولا يجوز أن يدخل تحته صفات الله تعالى وكلامه ، فليس هو عموما مخصصا على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصص هو أن يتناول العموم شيئا ثم يخرجه التخصيص ، وهذا لم يتناول قط هذه التي ذكرناها ، وإنما هذا بمنزلة قول الإنسان : قتلت كل فارس وأفحمت كل خصم فلم يدخل القائل قط في هذا العموم الظاهر من لفظه ، وأما قوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فهذا عموم على الإطلاق ولأن الله عزوجل يعلم كل شيء لا رب غيره ولا معبود سواه ، ولما تقررت الحجج وبانت الوحدانية جاء قوله تعالى : (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ) الآية تتضمن تقريرا وحكما إخلاصا أمرا بالعبادة وإعلاما بأنه حفيظ رقيب على كل فعل وقول وفي هذا الإعلام تخويف وتحذير.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٢ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3294_almuharrar-alwajiz-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
