الناس بعد الهجرة ، لأن الآية دعاء إلى الشرع ، ولو كانت في أمر من أوامر الأحكام ونحوها لكانت «يا أيها الذين آمنوا» و (الرَّسُولُ) في هذه الآية محمد صلىاللهعليهوسلم ، و (بِالْحَقِ) في شرعه ، وقوله تعالى : (خَيْراً لَكُمْ) منصوب بفعل مضمر تقديره ، إيتوا خيرا لكم ، أو حوزوا خيرا لكم ، وقوله (فَآمِنُوا) وقوله (انْتَهُوا) بعد ذلك ، أمر بترك الشيء والدخول في غيره ، فلذلك حسنت صفة التفضيل التي هي خير ، هذا مذهب سيبويه في نصب خير ، ونظيره من الشعر قول عمر بن أبي ربيعة :
|
فواعديه سرحتي مالك |
|
أو الربى بينهما أسهلا |
أي يأت أسهل ، وقال أبو عبيدة التقدير يكن الإيمان خيرا والانتهاء خيرا ، فنصبه على خبر كان ، وقال الفراء : التقدير فآمنوا إيمانا خيرا لكم ، فنصبه على النعت لمصدر محذوف ثم قال تعالى (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وهذا خبر بالاستغناء ، وأن ضرر الكفر إنما هو نازل بهم ، ولله تعالى العلم والحكمة.
ثم خاطب تعالى أهل الكتاب من النصارى بأن يدعوا «الغلو» ، وهو تجاوز الحد ، ومنه غلاء السعر ، ومنه غلوة السهم ، وقوله تعالى : (فِي دِينِكُمْ) إنما معناه ، في الدين الذي أنتم مطلوبون به ، فكأنه اسم جنس ، وأضافه إليهم بيانا أنهم مأخوذون به ، وليست الإشارة إلى دينهم المضلل ، ولا أمروا بالثبوت عليه دون غلو ، وإنما أمروا بترك الغلو في دين الله على الإطلاق ، وأن يوحدوا ولا «يقولوا على الله إلا الحق» ، وإذا سلكوا ما أمروا به ، فذلك سائقهم إلى الإسلام ، ثم بين تعالى أمر المسيح وأنه (رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ) ، أي مكون عن كلمته التي هي «كن» وقوله (أَلْقاها) عبارة عن إيجاد هذا الحادث في مريم ، وقال الطبري (وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها) يريد جملة مخلوقاته ، ف «من» لابتداء الغاية إذا حقق النظر فيها ، وقال البشارة التي بعث الملك بها إليها ، وقوله تعالى : (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي من الله وقال الطبري (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي نفخة منه ، إذ هي من جبريل بأمره ، وأنشد قول ذي الرمة :
|
فقلت له اضممها إليك وأحيها |
|
بروحك واقتته لها قيتة قدرا |
يصف سقط النار ، وقال أبيّ بن كعب : روح عيسى من أرواح الله التي خلقها واستنطقها بقوله (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) [الأعراف : ١٧٢] فبعثه الله إلى مريم فدخل فيها ، ثم أمرهم بالإيمان بالله ورسله ، أي الذين من جملتهم عيسى ومحمد عليهماالسلام ، وقوله تعالى : (وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ) المعنى :
الله ثالث ثلاثة ، فحذف الابتداء والمضاف ، كذا قدر أبو علي ، ويحتمل أن يكون المقدر : المعبود ثلاثة ، أو الإله ثلاثة ، أو الآلهة ثلاثة ، أو الأقانيم ثلاثة ، وكيف ما تشعب اختلاف عبارات النصارى فإنه يختلف بحسب ذلك التقدير ، وقد تقدم القول في معنى (انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ).
قوله تعالى :
(إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً(١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٢ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3294_almuharrar-alwajiz-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
