الجماعة وفقد عيسى عمد إلى أحدهم وبطش بصلبه وفرق الناس عنه. وقال : هذا عيسى قد صلب وانحل أمره ، وقوله تعالى (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) يعني اختلاف المحلولين لأخذه ، لأنهم حين فقدوا واحدا من العدد وتحدث برفع عيسى اضطربوا واختلفوا ، وعلى رواية من روى أنه ألقي شبه يوشك أنه بقي في ذلك الشبه مواضع للاختلاف ، لكن أجمعوا على صلب واحد على غير ثقة ولا يقين أيهم هو.
قال القاضي ـ رحمهالله : الذي صح فيه نقل الكافة عن حواسها هو أن شخصا صلب ، وأما هل هو عيسى أم لا؟ فليس من علم الحواس ، فلذلك لم ينفع في ذلك نقل كافة اليهود والنصارى ، ونفى الله عنهم أن يكون لهم في أمره علم على ما هو به ، ثم استثنى اتباع الظن وهو استثناء متصل ، إذ الظن والعلم يضمهما جنس واحد أنهما من معتقدات النفس ، وقد يقول الظان على طريق التجوز : علمي في هذا الأمر أنه كذا ، وهو يعني ظنه. وقوله تعالى : (وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً) اختلف المتأولون في عود الضمير من (قَتَلُوهُ) فقالت فرقة : هو عائد على الظن كما تقول : قتلت هذا الأمر علما ، فالمعنى وما صح ظنهم عندهم ولا تحققوه يقينا ، هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة ، وقال قوم : الضمير عائد على عيسى ، أخبر أنهم لم يقتلوه يقينا ، فيصح لهم الإصفاق ويثبت نقل كافتهم ، ومضمن الكلام أنهم ما قتلوه في الحقيقة جملة واحدة لا يقينا ولا شكا ، لكن لما حصلت في ذلك الدعوى صار قتله عندهم مشكوكا فيه ، وقال قوم من أهل اللسان : الكلام تام في قوله (وَما قَتَلُوهُ) و (يَقِيناً) مصدر مؤكد للنفي في قوله (وَما قَتَلُوهُ) المعنى يخبركم يقينا ، أو يقص عليكم يقينا ، أو أيقنوا بذلك يقينا ، وقوله تعالى (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) يعني إلى سمائه وكرامته ، وعيسى عليهالسلام حي في السماء الثانية على ما تضمن حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج ، وذكره غيره ، وهو هناك مقيم حتى ينزله الله لقتل الدجال ، وليملأ الأرض عدلا ، ويحيا فيها أربعين سنة ثم يموت كما يموت البشر.
وقوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) اختلف المتأولون في معنى الآية فقال ابن عباس وأبو مالك والحسن بن أبي الحسن وغيرهم : الضمير في (مَوْتِهِ) راجع إلى عيسى ، والمعنى أنه لا يبقى من أهل الكتاب أحد إذا نزل عيسى إلى الأرض إلا يؤمن بعيسى كما يؤمن سائر البشر ، وترجع الأديان كلها واحدا ، وقال مجاهد وابن عباس أيضا وغيرهما : الضمير في (بِهِ) لعيسى وفي (مَوْتِهِ) للكتابي الذي تضمنه قوله (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) التقدير : وإن من أهل الكتاب أحد ، قالوا : وليس يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى روح الله ، ويعلم أنه نبي ولكن عند المعاينة للموت ، فهو إيمان لا ينفعه ، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند المعاينة ، وقال هذا القول عكرمة والضحاك والحسن بن أبي الحسن أيضا ، وقال عكرمة أيضا : الضمير في (بِهِ) لمحمد عليهالسلام ، و (قَبْلَ مَوْتِهِ) للكتابي ، قال : وليس يخرج يهودي ولا نصراني من الدنيا حتى يؤمن بمحمد ، ولو غرق أو سقط عليه جدار فإنه يؤمن في ذلك الوقت ، وفي مصحف أبي بن كعب «قبل موتهم» ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي ، وقرأ الفياض بن غزوان «وإنّ من أهل الكتاب» بتشديد «إن». والضمير المستتر في يكون هو لعيسى عليهالسلام في جل الأقوال ، ولمحمد عليهالسلام في قول عكرمة.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٢ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3294_almuharrar-alwajiz-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
