ب (الْأَقْرَبِينَ) إذ هم مظنة المودة والتعصب ، فجاء الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه ، وهذه الآية إنما تضمنت الشهادة على القرابة ، فلا معنى للتفقه منها في الشهادة لهم كما فعل بعض المفسرين ولا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية ، وقوله تعالى : (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما) معناه : إن يكن المشهود عليه غنيا فلا يراعى لغناه ، ولا يخاف منه ، وإن يكن فقيرا فلا يراعى إشفاقا عليه فإن الله تعالى أولى بالنوعين وأهل الحالين ، والغني والفقير اسما جنس والمشهود عليه كذلك ، فلذلك ثنى الضمير في قوله (بِهِما) ، وفي قراءة أبيّ بن كعب «فالله أولى بهم» على الجمع ، وقال الطبري : ثنى الضمير لأن المعنى فالله أولى بهذين المعنيين ، غنى الغني وفقر الفقير ، أي : وهو أنظر فيهما ، وقد حد حدودا وجعل لكل ذي حق حقه ، وقال قوم (أَوِ) بمعنى الواو ، وفي هذا ضعف.
وذكر السدي : أن هذه الآية نزلت في النبي صلىاللهعليهوسلم ، اختصم إليه غني وفقير ، فكان في ضلع الفقير علما منه أن الغني أحرى أن يظلم الفقير ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط بين الغني والفقير.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق : وارتبط هذا الأمر على ما قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «فأقضي له على نحو ما أسمع» ، أما أنه قد أبيح للحاكم أن يكون في ضلع الضعيف ، بأن يقيد له المقالات ويشد على عضده ، ويقول له : قل حجتك مدلا ، وينبهه تنبيها لا يفت في عضد الآخر ، ولا يكون تعليم خصام ، هكذا هي الرواية عن أشهب وغيره.
وذكر الطبري : أن هذه الآية هي بسبب نازلة طعمة بن أبيرق ، وقيام من قام في أمره بغير القسط ، وقوله تعالى : (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى) نهي بيّن ، واتباع الهوى مرد مهلك ، وقوله تعالى : (أَنْ تَعْدِلُوا) يحتمل أن يكون معناه مخافة أن تعدلوا ، ويكون العدل هنا بمعنى العدول عن الحق ، ويحتمل أن يكون معناه محبة أن تعدلوا ، ويكون العدل بمعنى القسط ، كأنه قال : انتهوا خوف أن تجوروا أو محبة أن تقسطوا ، فإن جعلت العامل (تَتَّبِعُوا) فيحتمل أن يكون المعنى محبة أن تجوروا ، وقوله تعالى : (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا) قال ابن عباس : هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر ، فالليّ على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه للذي يميل القاضي عليه ، وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك ، والله حسيب الكل ، وقال ابن عباس أيضا ، ومجاهد ، وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم : هي في الشاهد يلوي الشهادة بلسانه ويحرفها ، فلا يقول الحق فيها ، أو يعرض عن أداء الحق فيها.
قال القاضي أبو محمد ـ رحمهالله ـ : ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة والتوسط بين الناس ، وكل إنسان مأخوذ بأن يعدل ، والخصوم مطلوبون بعدل ما في القضاة فتأمله ، وقرأ جمهور الناس «تلووا» بواوين من لوى يلوي على حسب ما فسرناه ، وقرأ حمزة وابن عامر وجماعة في الشاذ «وأن تلو» بضم اللام وواو واحدة ، وذلك يحتمل أن يكون أصله «تلئوا» على القراءة الأولى ، همزت الواو المضمومة كما همزت في أدؤر ، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء «لوى» ثم حذفت لاجتماع ساكنين ، ويحتمل أن تكون «تلوا» من قولك ولي الرجل الأمر ، فيكون في الطرف الآخر من (تُعْرِضُوا) كأنه قال تعالى للشهود
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٢ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3294_almuharrar-alwajiz-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
