وتحاوز الناس ، هذا مختصر من القصة يتركب عليه تفسير الآية ، وأمر «أحد» بطوله وما تخلله من الأفعال والأقوال ، مستوعب في كتب السير ، وليس هذا التعليق مما يقتضي ذكره وحكى مكي عن السدي ما يظهر منه أن القتال كان يوم الجمعة ، وحكى عنه الطبري ، أن نزول أبي سفيان بأحد كان في الثالث من شوال ، وذلك كله ضعيف ، وقال النقاش : وقعة «أحد» في الحادي عشر من شوال ، وذلك خطأ ، قال الطبري وغيره : فغدو رسول الله صلىاللهعليهوسلم يوم الجمعة إلى التدبير مع الناس واستشارتهم هو الذي عبر عنه بقوله تعالى : (تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ).
قال القاضي : ولا سيما أن غدو النبي صلىاللهعليهوسلم إنما كان ورأيه أن لا يخرج الناس ، فكان لا يشك في نفسه أن يقسم أقطار المدينة على قبائل الأنصار ، وقال غير الطبري : بل نهوض النبي صلىاللهعليهوسلم يوم الجمعة بعد الصلاة ، هو غدوه ، وبوأ المؤمنين في وقت حضور القتال ، وقيل ذلك في ليلته ، وسماه «غدوا» إذ كان قد اعتزم التدبير ، والشروع في الأمر من وقت الغدو.
قال القاضي أبو محمد : ولا سيما أن صلاة الجمعة ربما كانت قبل الزوال ، حسبما وردت بذلك أحاديث ، فيجيء لفظ الغدو متمكنا ، وقيل إن «الغدو» المذكور هو «غدوة» يوم السبت إلى القتال ، ومن حيث لم يكن في تلك الليلة موافقا للغدو فهو كأنه كان في أهله وبوأ المسلمين بأمره الرماة وبغير ذلك من تدبيره مصاف الناس و (تُبَوِّئُ) معناه : تعين لهم مقاعد يتمكنون فيها ويثبتون تقول : تبوأت مكان كذا ، إذا حللته حلولا متمكنا تثبت فيه ، ومنه قوله تعالى : (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ) [الزمر : ٧٤] ومنه قول النبي صلىاللهعليهوسلم : من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ، ومنه قول الشاعر : [مجزوء الكامل مرفل]
|
كم صاحب لي صالح |
|
بوّأته بيديّ لحدا |
ومنه قول الأعشى : [الطويل]
|
وما بوّأ الرّحمن بيتك منزلا |
|
بشرقيّ أجياد الصّفا والمحرم |
وقوله تعالى : (مَقاعِدَ) جمع مقعد وهو مكان القعود ، وهذا بمنزلة قولك مواقف ، ولكن لفظة القعود أدل على الثبوت ، ولا سيما أن الرماة إنما كانوا قعودا ، وكذلك كانت صفوف المسلمين أولا ، والمبارزة والسرعان يجولون ، وقوله : (وَاللهُ سَمِيعٌ) أي ما تقول ويقال لك وقت المشاورة وغيره.
و (إِذْ) الثانية بدل من الأولى ، و (هَمَّتْ) معناه أرادت ولم تفعل ، والفشل في هذا الموضع هو الجبن الذي كاد يلحق بني سلمة وبني حارثة و «الفشل» في البدن هو الإعياء والتبليح ، و «الفشل» في الرأي هو العجز والحيرة وفساد العزم ، وقال جابر بن عبد الله : ما وددنا أنها لم تنزل ، لقوله تعالى : (وَاللهُ وَلِيُّهُما) ، وقوله : (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أمر في ضمنه التغبيط للمؤمنين بمثل ما فعله بنو حارثة وبنو سلمة من المسير مع النبي صلىاللهعليهوسلم ، وقرأ عبد الله بن مسعود ، «تبوىء للمؤمنين» بلام الجر ، وقرأ «والله وليهم» على معنى الطائفتين لا على اللفظ.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
