قال الفقيه الإمام أبو محمد : ولما كانت الأحبار يظن بهم العلم وجودة النظر والاطلاع على الكتاب القديم ، طمعوا أن تنخدع العرب بهذه النزعة ففعلوا ذلك ، جاؤوا إلى النبي صلىاللهعليهوسلم بكرة ، فقالوا : يا محمد أنت هو الموصوف في كتابنا ، ولكن أمهلنا إلى العشي حتى ننظر في أمرنا ، ثم رجعوا بالعشي ، فقالوا : قد نظرنا ولست به (وَجْهَ) على هذا التأويل منصوب بقوله (آمِنُوا) والمعنى أظهروا الإيمان في (وَجْهَ النَّهارِ) ، والضمير في قوله (آخِرَهُ) عائد على (النَّهارِ) ، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهم : نزلت الآية ، لأن اليهود ذهبت إلى المكر بالمؤمنين ، فصلوا مع النبي صلىاللهعليهوسلم صلاة الصبح ، ثم رجعوا آخر النهار ، فصلوا صلاتهم ليرى الناس أنهم بدت لهم منه ضلالة ، بعد أن كانوا اتبعوه.
قال الفقيه الإمام : وهذا القول قريب من القول الأول ، وقال جماعة من المفسرين : نزلت هذه الآية في أمر القبلة ، وذلك أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم صلى صلاة الصبح إلى الشام ، كما كان يصلي ، ثم حولت القبلة ، فصلى الظهر ، وقيل العصر إلى مكة ، فقالت الأحبار لتبّاعهم وللعرب : آمنوا بالذي أنزل في أول النهار واكفروا بهذه القبلة الأخيرة.
قال الفقيه الإمام : والعامل في قوله (وَجْهَ النَّهارِ) على هذا التأويل قوله : (أُنْزِلَ) والضمير في قوله : (آخِرَهُ) يحتمل أن يعود على (النَّهارِ) أو يعود على «الذي أنزل» ، و (يَرْجِعُونَ) في هذا التأويل ، معناه عن مكة إلى قبلتنا التي هي الشام كذلك قال قائل هذا التأويل ، و (وَجْهَ النَّهارِ) أوله الذي يواجه منه ، تشبيها بوجه الإنسان ، وكذلك تقول : صدر النهار وغرة العام والشهر ، ومنه قول النبي عليهالسلام أقتلته في غرة الإسلام؟ ومن هذا قول الربيع بن زياد العبسي : [الكامل]
|
من كان مسرورا بمقتل مالك |
|
فليأت نسوتنا بوجه نهار |
|
يجد النّساء حواسرا يندبنه |
|
قد قمن قبل تبلّج الأسحار |
يقول هذا في مالك بن زهير بن جذيمة العبسي وكانوا قد أخذوا بثأره ، وكان القتيل عندهم لا يناح عليه ولا يندب إلا بعد أخذ ثأره ، فالمعنى من سره مصابنا فيه فلينظر إلى ما يدله على أنّا قد أدركنا ثأره ، فيكمد لذلك ويغتم ، ومن استعارة الوجه قولهم : فعلت كذا على وجه الدهر ، أي في القديم.
وذكر الله تعالى عن هذه الطائفة من أهل الكتاب ، أنهم قالوا : (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) ولا خلاف بين أهل التأويل أن هذا القول هو من كلام الطائفة ، واختلف الناس في قوله تعالى: (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ) ، فقال مجاهد وغيره من أهل التأويل : الكلام كله من قول الطائفة لأتباعهم ، وقوله تعالى : (قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ) اعتراض بين الكلامين.
قال القاضي : والكلام على هذا التأويل يحتمل معاني : أحدها : ولا تصدقوا تصديقا صحيحا وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم كراهة أو مخافة أو حذارا أن يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم ، وحذرا أن يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه ، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد والكفر ، مع المعرفة بصحة نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم ، ويحتمل أن يكون التقدير ، أن لا يؤتى فحذفت ـ لا ـ لدلالة الكلام ، ويحتمل الكلام أن يكون معناه : ولا تصدقوا وتؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
