جمهور الناس «الحواريّون» بتشديد الياء ، واحدهم ـ حواريّ ـ وليست بياء نسب وإنما هي كياء كرسي ، وقرأ إبراهيم النخعي وأبوبكر الثقفي : «الحواريون» مخففة الياء في جميع القرآن ، قال أبو الفتح : العرب تعاف ضمة الياء الخفيفة المكسور ما قبلها وتمتنع منها ، ومتى جاءت في نحو قولهم ، العاديون والقاضيون والساعيون أعلت بأن تستثقل الضمة فتسكن الياء وتنقل حركتها ثم تحذف لسكونها وسكون الواو بعدها فيجيء العادون ونحوه ، فكان يجب على هذا أن يقال ، الحوارون ، لكن وجه القراءة على ضعفها أن الياء خففت استثقالا لتضعيفها وحملت الضمة دلالة على أن التشديد مراد ، إذ التشديد محتمل للضمة ، وهذا كما ذهب أبو الحسن في تخفيف يستهزئون إلى أن أخلص الهمزة ياء البتة وحملها الضمة تذكر الحال المرادة فيها.
وقول الحواريين : (وَاشْهَدْ) يحتمل أن يكون خطابا لعيسى عليهالسلام ، أي اشهد لنا عند الله ، ويحتمل أن يكون خطابا لله تعالى كما تقول : أنا أشهد الله على كذا ، إذا عزمت وبالغت في الالتزام ، ومنه قول النبي عليهالسلام في حجة الوداع : اللهم اشهد ، قال الطبري : وفي هذه الآية توبيخ لنصارى نجران ، أي هذه مقالة الأسلاف المؤمنين بعيسى ، لا ما تقولونه أنتم ، يا من يدعي له الألوهية.
وقولهم : (رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ) يريدون الإنجيل وآيات عيسى ، و (الرَّسُولَ) عيسىعليهالسلام ، وقولهم : (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) عبارة عن الرغبة في أن يكونوا عنده في عداد من شهد بالحق من مؤمني الأمم ، ولما كان البشر يقيد ما يحتاج إلى علمه وتحقيقه في ثاني حال بالكتاب ، عبروا عن فعل الله بهم ذلك وقال ابن عباس : قولهم (مَعَ الشَّاهِدِينَ) معناه اجعلنا من أمة محمد عليهالسلام في أن نكون ممن يشهد على الناس.
ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرين بعيسى فقال : (وَمَكَرُوا) يريد تحيلهم في أخذ عيسى للقتل بزعمهم ، ويروى أنهم تحيلوا له ، وأذكوا عليه العيون حتى دخل هو والحواريون بيتا فأخذوهم فيه ، فهذا مكر بني إسرائيل ، وجازاهم الله تعالى بأن طرح شبه عيسى على أحد الحواريين ورفع عيسى ، وأعقب بني إسرائيل مذلة وهوانا في الدنيا والآخرة ، فهذه العقوبة هي التي سماها الله مكرا في قوله (وَمَكَرَ اللهُ) وهذا مهيع أن تسمى العقوبة باسم الذنب وإن لم تكن في معناه ، وعلى هذا فسر جمهور المفسرين الآية ، وعلى أن عيسى قال للحواريين : من يصبر فيلقى عليه شبهي فيقتل وله الجنة؟ فقال أحدهم ـ أنا ـ فكان ذلك ، وروى قوم أن بني إسرائيل دست يهوديا جاسوسا على عيسى حتى صحبه ودلهم عليه ودخل معه البيت فلما أحيط بهم ألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل اليهودي فأخذ وصلب ، فهذا معنى قوله : (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ) وهذه أيضا تسمية عقوبة باسم الذنب ، والمكر في اللغة ، السعي على الإنسان دون أن يظهر له ذلك ، بل أن يبطن الماكر ضد ما يبدي ، وقوله (وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) معناه في أنه فاعل في حق في ذلك ، والماكر من البشر فاعل باطل في الأغلب ، لأنه في الأباطيل يحتاج إلى التحيل ، والله سبحانه أشد بطشا وأنفذ إرادة ، فهو خير من جهات لا تحصى ، لا إله إلا هو ، وذكر حصر عيسى عليهالسلام ، وعدة أصحابه به وأمر الشبه وغير ذلك من أمره سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
