مسعود «لآيات» على الجمع ، وقوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، توقيف والمعنى ، لآيات نافعة هادية إن آمنتم وأبصرتم وإلا فليست بنافعة ولا هادية ، فأما كونها آيات فعلى كل حال آمنوا أو كفروا ، هذا كله على أن المخاطبة لمن لم يؤمن ـ بعد ـ وهو ظاهر حاله مع بني إسرائيل ، وإن كان خطابه لمؤمنين ، أو كما كانوا مؤمنين بموسى ، فمعنى الآية التشبيت وهز النفس كما تقول لإنسان تقيم نفسه إلى شيء : ما أنت يا فلان يلزمك أن تفعل كذا وكذا إن كنت من الرجال.
قوله تعالى :
(وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) (٥١)
قوله : (مُصَدِّقاً) حال معطوفة على قوله : (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ) [آل عمران : ٤٩] ، لأن قوله (بِآيَةٍ) في موضع الحال ، وكان عيسى عليهالسلام مصدقا للتوراة متبعا عاملا بما فيها ، قال وهب بن منبه : كان يسبت ويستقبل بيت المقدس ، وقال قتادة في تفسير قوله : (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) ، كان الذي جاء به عيسى ألين من الذي جاء به موسى ، وقال ابن جريج ، أحل لكم لحوم الإبل والشحوم ، قال الربيع : وأشياء من السمك ، وما لا صيصية له من الطير ، وكان في التوراة محرمات تركها شرع عيسى على حالها ، فلفظة «البعض» على هذا متمكنة ، وقال أبو عبيدة: «البعض» في هذه الآية بمعنى الكل ، وخطأه الناس في هذه المقالة وأنشد أبو عبيدة شاهدا على قوله بيت لبيد : [الكامل]
|
ترّاك أمكنة إذا لم يرضها |
|
أو يخترم بعض النفوس حمامها |
وليست في البيت له حجة لأن لبيدا أراد نفسه فهو تبعيض صحيح ، وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى : (حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) إشارة إلى ما حرمه الأحبار بعد موسى وشرعوه ، فكأن عيسى رد أحكام التوراة إلى حقائقها التي نزلت من عند الله تعالى ، وقال عكرمة : «حرم عليكم» بفتح الحاء والراء المشددة ، وإسناد الفعل إلى الله تعالى أو إلى موسى عليهالسلام ، وقرأ الجمهور (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ) وفي مصحف عبد الله بن مسعود ، «وجئتكم بآيات» من ربكم ، وقوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) تحذير ودعاء إلى الله تعالى.
وقرأ جمهور الناس (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) بكسر الألف على استئناف الخبر ، وقرأه قوم «أن الله ربي وربكم» بفتح الألف قال الطبري : «إن» بدل من «آية» ، في قوله (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ) ، وفي هذا ضعف وإنما التقدير أطيعون ، لأن الله ربي وربكم ، أو يكون المعنى ، لأن الله ربي وربكم فاعبدوه ، وقوله (هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) إشارة إلى قوله : (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) ، وهو لأن ألفاظه جمعت الإيمان والطاعات ، والصراط ، الطريق ، والمستقيم ، الذي لا اعوجاج فيه.
قوله تعالى :
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
