مما لم يقع في كل القرآن إلا قوله تعالى ، (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) [الحجر : ٥٤] وقرأ الكسائي «يبشر» مخففة في خمسة مواضع في آل عمران في قصة زكرياء وقصة مريم وفي سورة بني إسرائيل والكهف ، ويبشر المؤمنين ، وفي «عسق» (يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ) ، قال غير واحد من اللغويين : في هذه اللفظة ثلاث لغات ، بشّر بشد الشين ، وبشر بتخفيفها ، وأبشر يبشر إبشارا ، وهذه القراءات كلها متجهة فصيحة مروية ، وفي قراءة عبد الله بن مسعود «يبشرك» بضم الباء وتخفيف الشين المكسورة من ـ أبشر ـ وهكذا قرأ في كل القرآن.
و «يحيى» اسم سماه الله به قبل أن يولد ، قال أبو علي : هو اسم بالعبرانية صادف «هذا البناء ، والمعنى من العربية ، قال الزجاج : لا ينصرف لأنه إن كان أعجميا ففيه التعريف والعجمة ، وإن كان عربيا فالتعريف ووزن الفعل ، وقال قتادة : سماه الله يحيى لأنه أحياه بالإيمان و (مُصَدِّقاً) نصب على الحال وهي مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهمالسلام ، وقوله تعالى : (بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والسدي وغيرهم ، «الكلمة» هنا يراد بها عيسى ابن مريم.
قال الفقيه الإمام أبو محمد : وسمى الله تعالى عيسى كلمة إذ صدر عن كلمة منه تعالى لا بسبب إنسان آخر كعرف البشر ، وروى ابن عباس : أن امرأة زكرياء قالت لمريم وهما حاملتان : إني أجد ما في بطني يتحرك لما في بطنك ، وفي بعض الروايات ، يسجد لما في بطنك قال ، فذلك تصديقه.
قال الفقيه أبو محمد : أي أول التصديق ، وقال بعض الناس : (بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) ، معناه بكتاب من الله الإنجيل وغيره من كتب الله فأوقع المفرد موقع الجمع ، فكلمة اسم جنس ، وعلى هذا النظر سمت العرب القصيدة الطويلة كلمة ، وقوله تعالى : (وَسَيِّداً) قال فيه قتادة : اي والله سيد في الحلم والعبادة والورع ، وقال مرة : معناه في العلم والعبادة ، وقال ابن جبير : (وَسَيِّداً) أي حليما ، وقال مرة : السيد التقي وقال الضحاك : (وَسَيِّداً) أي تقيا حليما ، وقال ابن زيد : السيد الشريف ، وقال ابن المسيب : السيد الفقيه العالم ، وقال ابن عباس : (وَسَيِّداً) يقول ، تقيا حليما ، وقال عكرمة : السيد الذي لا يغلبه الغضب.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : كل من فسر من هؤلاء العلماء المذكورين السؤدد بالحلم فقد أحرز أكثر معنى السؤدد ومن جرد تفسيره بالعلم والتقى ونحوه فلم يفسر بحسب كلام العرب ، وقد تحصل العلم ليحيى عليهالسلام بقوله عزوجل (مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) وتحصل التقى بباقي الآية ، وخصه الله بذكر السؤدد الذي هو الاحتمال في رضى الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في باطل ، هذا لفظ يعم السؤدد ، وتفصيله أن يقال : بذل الندى ، وهذا هو الكرم وكف الأذى ، وهنا هي العفة بالفرج واليد واللسان واحتمال العظائم ، وهنا هو الحلم وغيره من تحمل الغرامات وجبر الكسير والإفضال على المسترفد ، والإنقاذ من الهلكات ، وانظر أن النبي عليهالسلام قال : أنا سيد ولد آدم ولا فخر يجمع الله الأولين والآخرين ، وذكر حديث شفاعته في إطلاق الموقف ، وذلك منه احتمال في رضى ولد آدم فهو سيدهم بذلك ، وقد يوجد من الثقات العلماء من لا يبرز في هذه الخصال ، وقد يوجد من يبرز في هذه فيسمى سيدا وإن قصر في كثير من الواجبات أعني واجبات الندب والمكافحة في الحق وقلة المبالاة باللائمة ، وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه : ما رأيت أحدا أسود من معاوية بن أبي سفيان قيل له ،
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
