اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٥٦)
(الدِّينِ) في هذه الآية المعتقد والملة ، بقرينة قوله (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ) ، والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغير ذلك ليس هذا موضعه وإنما يجيء في تفسير قوله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ، فإذا تقرر أن الإكراه المنفي هنا هو في تفسير المعتقد من الملل والنحل فاختلف الناس في معنى الآية ، فقال الزهري : سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) فقال : كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين ، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم ، فاستأذن الله في قالتهم فأذن له ، قال الطبري والآية منسوخة في هذا القول.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويلزم على هذا ، أن الآية مكية ، وأنها من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف ، وقال قتادة والضحاك بن مزاحم : هذه الآية محكمة خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية ويؤدونها عن يد صغرة ، قالا أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يقاتل العرب أهل الأوثان لا يقبل منهم إلا لا إله إلا الله أو السيف ، ثم أمر فيمن سواهم أن يقبل الجزية ، ونزلت فيهم (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ).
قال القاضي أبو محمد : وعلى مذهب مالك في أن الجزية تقبل من كل كافر سوى قريش أي نوع كان ، فتجيء الآية خاصة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم لا يقف ذلك على أهل الكتاب كما قال قتادة والضحاك. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : إنما نزلت هذه الآية في قوم من الأوس والخزرج كانت المرأة تكون مقلاة لا يعيش لها ولد ، فكانت تجعل على نفسها إن جاءت بولد أن تهوده ، فكان في بني النضير جماعة على هذا النحو ، فلما أجلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم بني النضير قالت الأنصار كيف نصنع بأبنائنا ، إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه ، وأما إذ جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه ، فنزلت (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) الآية ، وقال بهذا القول عامر الشعبي ومجاهد ، إلا أنه قال كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع ، وقال السدي نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين ، كان له ابنان ، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت ، فلما أرادوا الرجوع أتاهم ابنا أبي حصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام فأتى أبوهما رسول الله صلىاللهعليهوسلم مشتكيا أمرهما ، ورغب في أن يبعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم من يردهما ، فنزلت (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) ، ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب ، وقال : أبعدهما الله هما أول من كفر ، فوجد أبو الحصين في نفسه على رسول اللهصلىاللهعليهوسلم حين لم يبعث في طلبهما ، فأنزل الله جل ثناؤه (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء : ٦٥] ، ثم إنه نسخ (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) ، فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة.
قال القاضي أبو محمد : والصحيح في سبب قوله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) ، حديث الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي ، وقوله تعالى : (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ) معناه بنصب الأدلة ووجود الرسول الداعي إلى الله والآيات المنيرة ، و (الرُّشْدُ) مصدر من قولك رشد بكسر الشين وضمها يرشد رشدا
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
