قال : «واليهود تزعم أنها الحنظلة ، وتقول : إنها كانت حلوة ومرّت من حينئذ».
قال القاضي أبو محمد : وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر ، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها ، وفي حظره تعالى على آدم الشجرة ما يدل على أن سكناه في الجنة لا يدوم ، لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ، ولا يؤمر ولا ينهى.
وقيل إن هذه الشجرة كانت خصت بأن تحوج آكلها إلى التبرز ، فلذلك نهي عنها فلما أكل منها ولم تكن الجنة موضع تبرز أهبط إلى الأرض.
وقوله (فَتَكُونا) في موضع جزم على العطف على (لا تَقْرَبا) ، ويجوز فيه النصب على الجواب ، والناصب عند الخليل وسيبويه «أن المضمرة» ، وعند الجرمي الفاء ، والظالم في اللغة الذي يضع الشيء غير موضعه ، ومنه قولهم : «من أشبه أباه فما ظلم» ، ومنه «المظلومة الجلد» لأن المطر لم يأتها في وقته ، ومنه قول عمرو بن قمئة : [الكامل]
|
ظلم البطاح بها انهلال حريصة |
|
فصفا النطاف له بعيد المقلع |
والظلم في أحكام الشرع على مراتب ، أعلاها الشرك ، ثم ظلم المعاصي وهي مراتب ، وهو في هذه الآية يدل على أن قوله : (وَلا تَقْرَبا) على جهة الوجوب ، لا على الندب ، لأن من ترك المندوب لا يسمى ظالما ، فاقتضت لفظة الظلم قوة النهي ، و «أزلهما» مأخوذ من الزلل ، وهو في الآية مجاز ، لأنه في الرأي والنظر ، وإنما حقيقة الزلل في القدم.
قال أبو علي : (فَأَزَلَّهُمَا) يحتمل تأويلين ، أحدهما ، كسبهما الزلة ، والآخر أن يكون من زل إذا عثر».
وقرأ حمزة : «فأزالهما» ، مأخوذ من الزوال ، كأنه المزيل لما كان إغواؤه مؤديا إلى الزوال. وهي قراءة الحسن وأبي رجاء ، ولا خلاف بين العلماء أن إبليس اللعين هو متولي إغواء آدم. واختلف في الكيفية ، فقال ابن عباس وابن مسعود وجمهور العلماء : أغواهما مشافهة ، ودليل ذلك قوله تعالى : (وَقاسَمَهُما) والمقاسمة ظاهرها المشافهة.
وقال بعضهم : إن إبليس لما دخل إلى آدم كلمه في حاله ، فقال : يا آدم ما أحسن هذا لو أن خلدا كان ، فوجد إبليس السبيل إلى إغوائه ، فقال : هل أدلك على شجرة الخلد؟.
وقال بعضهم : دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية ، بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم تدخله إلا الحية ، فخرج إلى حواء وأخذ شيئا من الشجرة ، وقال : انظري ما أحسن هذا فأغواها حتى أكلت ، ثم أغوى آدم ، وقالت له حواء : كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل فبدت لهما سوءاتهما ، وحصلا في حكم الذنب ، ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها ، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم ، وقيل لحواء : كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم في كل شهر ، وكذلك تحملين كرها ، وتضعين كرها ، تشرفين به على الموت مرارا. زاد الطبري والنقاش : «وتكونين سفيهة ، وقد كنت حليمة».
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3293_almuharrar-alwajiz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
