وكل داع يدعو إلى مثله وهو مع ذلك ممكن له ، فلا يجوز ألّا تقع شربة منه حتى يموت عطشا لتوفر الدواعى على ما بينا ، فإن لم يشربه مع توفر الدواعى له دل على عجزه عنه ، فكذلك توفر الدواعى إلى المعارضة على القرآن لما لم تقع المعارضة دل ذلك على العجز عنها.
التحدى للكافة :
يقول : وأما التحدى للكافة فهو أظهر ، فى أنهم لا يجوز أن يتركوا المعارضة مع توفر الدواعى إلا للعجز عنها.
وأما الصّرفة : فهى صرف الهمم عن المعارضة ، وعلى ذلك كان يعتمد أهل العلم ، فى أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة ، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التى دلت على النبوة ويقول : وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التى يظهر فيها للعقول.
وأما الأخبار عن الأمور المستقبلة : فإنه لما كان لا يجوز أن تقع على الاتفاق دل على أنها من عند علّام الغيوب ، فمن ذلك قوله عزوجل (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ) [الأنفال ـ ٨] فكان الأمر كما وعد من الظّفر بإحدى الطائفتين ، العير التى كان فيها أبو سفيان أو الجيش الذين خرجوا يحمونها من قريش ، فأظفرهم الله عزوجل بقريش يوم بدر على ما تقدم به الوعد إلى غيرها من الأمثلة المعروفة.
وأما نقض العادة : فإن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة ، منها الشعر ومنها السجع ، ومنها الخطب ، ومنها الرسائل ، ومنها المنثور ، الذى يدور بين الناس فى الحديث ـ فيأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة فى الحسن تفوق به كل طريقة.
وأما قياسه بكل معجزة : فإنه يظهر إعجازه من هذه الجهة ، إذ كان سبيل فلق البحر وقلب العصا حية وما جرى هذا المجرى فى ذلك سبيلا واحدا فى الإعجاز ، اذ خرج عن العادة ، وقعد الخلق فيه عن المعارضة.
