حديثه عن الترداد والتكرار فى القصص القرآنى ، يقول «وقد رأينا الله عزوجل ردد ذكر قصة موسى وهود وهارون وشعيب وإبراهيم ولوط وعاد وثمود ، وكذلك ذكر الجنة النار وأمور كثيرة ، لأنه خاطب جميع الأمم من العرب وجميع أصناف العجم ، وأكثرهم عىّ غافل ، ومعاند مشغول الفكر ساهى القلب» (١).
ويكرر مع بشر فكرة مطابقة الكلام لمعانيه وللأحوال المختلفة وطبقات المستمعين حتى لا ينفد الكلام إلى السمع إلا وتنفد معه المعانى إلى القلب يقول «وأحسن الكلام ما كان قليه يغنيك عن كثيره ، ومعناه فى ظاهر لفظه .. وإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا وكان صحيح الطبع بعيدا عن الاستكراه ومنزها عن الاختلال ، مصونا عن التكلف ، صنع فى القلوب صنيع الغيث فى التربة الكريمة» (٢).
ويعرف الرمانى البلاغة بأنها ايصال المعنى الى القلب فى حسن صورة من اللفظ (٣) ويرجع القاضى عبد الجبار تفاضل ناظم عن ناظم فى اختيار الألفاظ ، والتأثير على المستمع الى ما يسميه ب «قوة المحاضرة» (٤).
وقد شارك الأشاعرة المعتزلة فى هذا المضمار ، فنجد الباقلانى يعتبر الوجه العاشر من وجوه القرآن ، أثره فى النفوس ، يقول «ومعنى عاشر وهو : أنه سهّل سبيله ، فهو خارج عن الوحشى المستكره ، والغريب المستنكر ، وعن الصنعة المتكلفة ، وجعله قريبا الى الافهام ، يبادر معناه لفظه إلى القلب ، ويسابق المغزى منه عبارته الى النفس ، وهو مع ذلك ممتنع المطلب ، عسير المتناول ، غير مطمع مع قربه فى نفسه ولا موهم مع دنوه فى موقعه أن يقدر عليه أو يظفر به» (٥).
أما الجرجانى ، فغنيّ عن البيان ما وجهه من عناية لهذا الجانب ، فهو فى (الأسرار) يثور على تعقيد المعقدين فى كتبهم الذين ينسون أنهم يتكلمون ليفهموا ، ويقولون ليبينوا ، ويريدون البلاغة فيتكلفونها ، فيصيرون «كمن ثقّل
__________________
(١) نفس المصدر ـ ١ / ١٠٥.
(٢) نفس المصدر ـ ١ / ٨٣.
(٣) الرمانى ـ النكت فى إعجاز القرآن ـ ٦٩.
(٤) القاضى عبد الجبار ـ إعجاز القرآن ـ ٢٠٨ و ٢٠٩.
(٥) الباقلانى ـ إعجاز القرآن ـ ٤٦.
