والذى حدا بالأشاعرة إلى نفى السجع أنهم ظنوا أن الرسول صلىاللهعليهوسلم ، قد ذمه فى حديث الجنين حين قال : «أسجع كسجع الكهان» ، مما أدى بالباقلانى أن يرى أن السجع مذموم ، فلا يصح أن يكون فى دليلا على نبوته عليه الصلاة والسلام (١).
وقد أخطأ الباقلانى فيما ذهب ، فهذا السجع المقصود هو الركيك منه الذى لا يقع إلا فى كلام الضعفاء ، ومنه نوع آخر يقع فيه اللفظ موقعه الرائع ، وهو فى ذلك تابع للمعانى وهذا هو النوع المحمود منه الذى جاء المأثور الصحيح عن بلغاء الجاهلية وفصحاء الاسلام وورد فى أحاديث الرسول على أكمل وجه وأتم نسق اتفق وجوده فى كلام البشر ، وإليه يريغ المثبتون للسجع فى القرآن القائلون بأن ما كان منه كذلك هو نهاية النهايات وأبعد الغايات فى البلاغة ، وقد بان بطلاوته وصفاء لفظه وتمكن معناه ، عن جميع ما جرى هذا المجرى من كلام الخلق (٢).
وهكذا ، يكاد الطريق بين المدرستين يتجه اتجاها واحدا فى النظرة إلى السجع ، لو لا أن خرج على رأى الرمانى ، ابن سنان الخفاجى الحلبى ، فتحول الطريق إلى اتجاهين ، الاتجاه الأول الذى كان فى بيئة الأشعرية ، وذلك الاتجاه الاعتزالى الذى نادى به الخفاجى ، معترفا للقرآن بوجود السجع فيه ، وتابعه فى ذلك ـ ابن حمزة العلوى (٣) وابن الأثير (٤) وسار الأمر.
الإعجاز بين المعتزلة والأشاعرة :
استطاع المتكلمون ـ معتزلة وأشاعرة ـ أن يبنوا صرحا هائلا فى الفكر الإسلامى برغم بلاء الفقهاء والأدباء واللغويين ـ كل فى ميدانه ـ بيد أن بلاء المتكلمين كان أشد وصوتهم كان أعلى ، وذلك حين تكلموا فى مسائلهم الفلسفية المدافعة عن العقيدة أمام هجوم الطاعنين.
__________________
(١) الباقلانى ـ إعجاز القرآن ـ ٥٨.
(٢) السيد أحمد صقر ـ مقدمة تحقيق إعجاز القرآن للباقلانى ـ ٧٥.
(٣) ابن حمزة العلوى ـ الطراز ـ ٣ / ١٩ و ٢٠.
(٤) ابن الأثير ـ المثل السائر ـ ٢٧١.
