الكلام إلا اللفظ والمعنى ولا ثالث لهما وإذن فلا بد أن تكون الفصاحة راجعة إليهما بحيث يكون اللفظ جزلا والمعنى حسنا» (١).
وهو بذلك يرد على الجاحظ رأيه فى النظم.
والرمانى كان على نفس الدرب حين رأى أن إعجاز القرآن لبلاغته التى فسرها بأنها ليست مجرد أفهام المعنى لأنه «قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيىّ ، وليست البلاغة تحقيق اللفظ على المعنى لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلف ، إنما البلاغة : إيصال المعنى الى القلب فى حسن صورة من اللفظ» (٢).
وقد لاحظ القاضى عبد الجبار ـ تلميذ الجبائى ـ أن فى فكرة شيخه نقصا لأنه لم يلاحظ صورة تركيب الكلام ، وهى أساسية فى بلاغة العبارة وفصاحتها (٣).
إذن قد تجنبت المدرسة الاعتزالية فكرة النظم ـ متمثلة فى الجبائى والرمانى وعبد الجبار ـ سببا لإعجاز القرآن وجنحت إلى فكرة الفصاحة. بينما تعود الأشعرية إلى فكرة النظم ، التى هى تغاير ما ذهب إليه الجاحظ ، وتنحل فى جوهرها إلى فكرة الفصاحة التى قالت بها المدرسة البهشمية الاعتزالية. فهذا الباقلانى يرى أن القرآن «بديع النظم عجيب التأليف متناه فى البلاغة إلى الحد الذى يعلم عجز الخلق عنه» (٤).
وهو هنا يرى رأى الرمانى الذى أراد أن يصور إعجاز القرآن عن طريق تصوير ما فيه من وجوه البلاغة التى أحصاها فى رسالته.
وفى الدلائل لعبد القاهر نراه ، يبدئ ويعيد فى إبطال أن يكون مردّ الفصاحة إلى اللفظ أو المعنى ـ كما زعم الجبائى المعتزلى ـ وأن لم يصرّح باسمه ـ إنما مردّها إلى النظم أو بعبارة أخرى ، إلى الأسلوب وخصائصه وكيفياته. وقد عقد
__________________
(١) القاضى عبد الجبار ـ إعجاز القرآن ـ ١٩٧.
(٢) الرمانى ـ النكت فى إعجاز القرآن ـ ٦٩.
(٣) القاضى عبد الجبار ـ إعجاز القرآن ـ ١٩٩.
(٤) الباقلانى ـ إعجاز القرآن ـ ٣٠.
