ثم أنّ ذلك عنده لم يشفع بتحليلات عبد القاهر والزمخشرى التى كانت تملأ نفوسنا إعجابا «فقد تحولت البلاغة فى تلخيصه إلى علم بأدق المعانى لكلمة علم فهى قوانين وقواعد تخلو من كل ما يمتع النفس إذ سلّط عليها المنطق بأصوله ومناهجه الحادة ، حتى فى لفظها وأسلوبها الذى لا يحوى أى جمال» (١).
السكاكى ومحاولة مع الذوق :
قلنا أن السكاكى وضع حدودا فاصلة وحصر البلاغة فى علمى المعانى والبيان فقط ، ثم مضى فى أثر الفخر الرازى ، يجعل للبلاغة حدا أعلى وما يقرب منه ، وحدا أسفل وبينهما مراتب كثيرة تتفاوت بتفاوت البلغاء ، أما الطرف الأعلى وما يقرب منه فهو حد الإعجاز القرآنى ، وينوه بالذوق ، وأن الإعجاز لا يدرك إلّا به يقول «اعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفهما ، وكالملاحة ومدرك الاعجاز عندى هو الذوق (٢). ولا يلبث أن يقول «أنّ علمى المعانى والبيان هما الوسيلة لاكتساب الذوق الذى تدرك به مواطن الجمال البلاغى ، على أنهما لا يكشفان كشفا تاما على وجه الاعجاز لتعذر الإحاطة بكل أسرار القرآن البلاغة (٣).
وحقا استطاع السكاكى أن يسوى من نظرات عبد القاهر والزمخشرى علمى المعانى والبيان ولكن بعد أن أخلاهما من تحليلاتهما الممتعة البارعة للنصوص الأدبية ، وبعد أن سوى قواعدهما تسوية منطقية عويصة ، حتى ليصبح المنطق وأيضا الفلسفة جزءا منهما لا يتجزأ وحتى ليحتاج كتابه فى هذا القسم إلى الشرح تلو الشرح» (٤).
وبعد ، فها نحن هؤلاء ما زلنا فى دائرة الجرجانى والزمخشرى ، ومهما تقدمنا فى الدرس فلن يجدينا شيئا. فسنجد أنفسنا قد دخلنا أدغال الشروح والتلخيصات والتهميشات وهلم جرا.
__________________
(١) الدكتور شوقى ضيف ـ البلاغة تطور وتاريخ ـ ٢٨٨.
(٢) السكاكى ـ المفتاح ـ ٢٢١.
(٣) نفس المصدر والمرجع.
(٤) الدكتور شوقى ضيف ـ البلاغة تطور وتاريخ ـ ٣١٣.
