رسوليّ بينهما ، لعدم الحاجة إلى ذلك ، بفعل المبلّغين الذين قد يكونون خلفاء أو أوصياء لنوح في دائرة رسالته ، أو لعدم وجود وقت كبير بينهما ، لأننا لا نملك معرفة للفاصل الزمنيّ بين الرسولين.
(إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) من كل شائبة من شوائب التعلّق بغير الله ، مما يجعله منفتحا على الله بكل عمقه وتطلّعه وشعوره ، فلا مكان لغيره في داخله ، في ما يعنيه ذلك من التصور الصافي للمضمون الإيماني بالله ، والشعور النقيّ بالعلاقة به ، والالتزام بما يحبه ويرضاه.
وهكذا كانت علاقته بالله من الموقع العميق القويّ ، وهو القلب الذي قد يكون موقعه العقل في دائرة الفكر ، أو الحسّ في موقع الشعور ، ولهذا فقد كان يواجه الأمور بعفويّة وبساطة مما يجعله يسمّي الأشياء بأسمائها من دون تعقيد ، ولهذا كان إحساسه الصافي بالخطإ الفادح في سلوك أبيه وقومه دافعا له إلى توجيه سؤاله الساذج في شكله ، العميق في مضمونه.
(إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ) هل هناك أساس لعبادتكم لهذه الأصنام وكيف تعبدونها؟ هل أنتم جادّون في ذلك ، أو أن للقضية بعدا آخر؟ (أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ) كيف تؤلّهون غير الله ، وهو الخالق ، وهي المخلوقة له ، هل هذا إلا افتراء على خط الألوهية وعلى الحقيقة الكامنة فيها؟ (فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ) وكيف تفكرون به ، أو تنظرون إليه ، أو كيف ينظر إليكم لعبادتكم الأصنام ، أو هل تعرفون موقع قدرته وعظمته ، مقارنة بما لدى الآخرين من عباده؟
(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) في عملية تطلّع إلى الأفق الواسع الذي تتناثر فيه النجوم التي كان بعض الناس في زمانه يتعبد إليها ، أو في عملية استشفاف للوقت الذي كانت العلة أو النوبة المرضيّة من الحمى تعتريه فيه ، أو لغير ذلك ، (فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) أيّ في حالة نفسيّة أو ذهنيّة قلقة ، لا استقرار
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
