كان ردّ فعلهم على ذلك وكيف واجهوا هذا الإرث وهذا الاصطفاء الإلهي؟ (فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) في انحرافه عن خط الكتاب ، وتمرّده على الله في خط طاعته ، (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) يتحرك معه بحساب ، ويقف عند بعض المواقع بحساب ، من دون حرارة واندفاع ، ومن غير روح حركيّة منفتحة على الهدف الكبير بقوّة ، (وَمِنْهُمْ سابِقٌ (١) بِالْخَيْراتِ) وهم الذين عاشوا الكتاب في كل ملامح شخصيتهم ، فذابوا فيه ، وانطلقوا مع مفاهيمه كرسالة للحياة ، ومنطلق للسموّ ، والتفاتة للإبداع ، وحركة للخير في ساحة السباق التي تتنافس فيها خيول الخير في ساحة الإنسان والحياة ، ليندفعوا بكل ما عندهم من حبّ لله ، واندفاع روحيّ في الحصول على رضاه ، ليكونوا السابقين في كل مواقع الخير ، فلا يسمحون لأحد بالتقدم عليهم ، ليعطوا الشهادة الحيّة على أن الرسالة إذا عاشت في الكيان الإنساني فكرا وروحا وحركة ، تحوّلت إلى قوّة هائلة في كل الساحات.
(بِإِذْنِ اللهِ) الذي يتطلع إليه هؤلاء قبل الاندفاع نحو الهدف ، والدخول في ساحة السباق ، ليطلبوا الإذن منه في ذلك ليكون اندفاعهم في خط الهدف الكبير المنفتح على شريعة الله ، وليكون سباقهم خاضعا لرضوان الله ، (ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) وأيّ فضل أكبر من الفضل الذي يحقق للإنسان في مسعاه نحو خير الآخرين البركة لعباد الله ، ومن العمل الذي ينال فيه الإنسان الرضوان من الله ، الذي يطلّ به على مواقع النعيم في الدار الآخرة ، (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) وغير ذلك من النعيم المادّي الذي ينعم الله به على هؤلاء المؤمنين السابقين من عباده ، ليواجهوا اللّذة المادية التي عاشوا كثيرا من الحرمان منها ومن أمثالها ، في الحياة الدنيا ، إلى جانب اللذة الروحية ، لأن الإنسان يبقى إنسان المادة الذي يعيش تطلعاتها في حاجاته الجسدية ونوازعه الذاتية ، كما يكون إنسان الروح الذي يفيض بالحب الإلهيّ الذي يعيش فيه ابتهالات الروح والحبّ الروحي في رحاب الله. وهكذا أراد الله لهؤلاء أن يشعروا بالطمأنينة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
