وربما كان المراد به جبرئيل الذي صرحت باسمه الآية الكريمة في قوله تعالى : (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ) [البقرة : ٩٧](لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا) لما يريده لحركتهم في الدعوة والعمل ، والجهاد ، من خضوع للقرآن في آياته التي توجّه خطوة هنا وخطوة هناك ، وتخطط المسير في هذا الاتجاه ، ثم تبدله في اتجاه آخر ، تبعا لمقتضيات الواقع العملي ، الأمر الذي يخلق التفاعل بين حياة الناس والقرآن ، بحيث يعايشون ، بشكل واقعي لا تجريدي ، القرآن في مفاهيمه وأحكامه. من هنا نستطيع أن نقرر الحقيقة القرآنية في الأسلوب الواقعي ، وهي أن آياته كانت تحرك مسيرة الدعوة وترعى حركة التغيير ، وتوجّه خطوات الجهاد ، مما يجعل القرآن تجسيدا للرسالة في الفكر والواقع.
(وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) في ما هيأه لمن أسلموا الفكر والروح والحياة لله من سبل الهداية بآياته إلى سواء السبيل ، وفي ما يبشرهم به من رحمة ورضوان وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها في رحاب الله.
* * *
صدق الكتاب مع كونه نازلا على بشر
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) فقد كان مصدر هذا الكتاب المعجز الذي تحدّاهم به ، في أسلوبه وفي مضمونه يحيرهم ؛ كيف جاء به محمد ، وهو من عاش معهم ولم يتعلم القراءة والكتابة ، ولم يأخذ بقسط وافر من الثقافة تمكنه من هذا الإبداع ذاتيا ، كما أنهم لا يريدون الاعتراف له بالنبوّة التي تلتقي بالوحي كتفسير لكل هذه الآيات التي أعجزت البشر ، لذا أبعدوا عن أذهانهم احتمال أن يأتي بها بشر ، لأنهم لم يتعقلوا ولم يريدوا تعقّل الفكرة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
