ولكن هذا الحديث لا يمثل مجرد كلام عن الجانب المادي من هذه النعم ، بل هو حديث عن الجانب الإيحائي الذي يحويه اتصال النعمة بالله من معنى توحيدي يبعد الإنسان عن حالة الشرك ، على أساس أن التوحيد هو الحقّ ، وأن الشرك هو الباطل ، وأن الانسجام مع الحق يمثل الشكر العملي للنعمة ، وأن الانفصال عنه والارتباط بالباطل يمثل الكفر الواقعي بالنعمة. (أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ) في ما يؤمنون به من شرك في العقيدة وفي العبادة (وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) أي ويكفرون بتوحيد الله ، وهو يمثل الكفر بنعمة الله ، بشكل غير مباشر (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً) لأنه لا يملك أن يرزق نفسه ، بعدم امتلاكه أيّ أساس من القوّة الذاتية ، ويتركون عبادة الله الذي يملك الوجود كله ، كما يملك الرزق كله لما يتحرك فيه الوجود من موجودات (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) أي لا قدرة لهم بالفعل ، لما تمثله الاستطاعة من معنى القدرة الفعلية المباشرة .. وإذا كان هؤلاء عاجزين عن تقديم أيّ شيء لهم ، فكيف يعطونهم ما يقدمونه لله من العبادة!
* * *
النهي عن ضرب الأمثال لله
(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ) وذلك بأن تجعلوا له الأشباه والنظائر من بين خلقه ، من خلال ما تسبغونه عليها من صفات إلهيّة لا تملكها ، لتبرّروا عبادتها وتقديسها ، بعيدا عن الله ـ سبحانه ـ (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ولا تأخذون بأسباب العلم مما ألهمكم الله من فكر ، لو أخذتم به واستنطقتموه لهداكم إلى الحقيقة ، أو مما أوحى به الله إلى رسله ، وأنزله في كتبه .. فلو استمعتم إليه وفكرتم فيه ، لقادكم إلى الإيمان من أقرب طريق.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
