(لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) بما نكفل لهم من التخلص من الضغوط الهائلة التي كانوا يواجهونها ، وبما نحقّق لهم من النصر الذي يطمحون إليه ، وفي ما نمهّده لهم من الوسائل التي يحتاجون إليها في تحقيق الغايات الكبيرة التي يحملون رسالة تحقيقها في الحياة (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) من أجر الدنيا ، لأنه الخير الذي لا شرّ معه ، والفرح الذي لا حزن فيه ، والسعادة التي لا شقاء معها ، لأنه يلتقي برضوان الله الذي يتفايض على روح المؤمن بالفرح الروحي الذي لا يستطيع الإنسان أن يعرف مداه ، في ما يحقق له من أحلام ورغبات ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فلا تعرف نفس ما أخفي لها من قرّة أعين.
(لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) ذلك ، أن الإنسان في الدنيا ، خاضع في وعيه وتقديره ورغبته لمشاعره الحسية ، مما يجعل كل طموحه ، في ما يأخذ به من شؤون العمل ، ويتحرك فيه من خط السير ، يدور في ذلك الفلك ، وبذلك تكون تطلعاته في الساحة العملية أقرب إلى آفاق الدنيا منها إلى آفاق الآخرة ... ولذا جاء الوحي القرآني ، ليربطهم بالجانب الآخر من الصورة ، وهو جانب الآخرة في ملذاتها ومشتهياتها وآفاقها الروحية ، وليعرّفهم ذلك بالفكر والإيمان ، لأنهم لا يستطيعون أن يتعرّفوا عليه بالحس بفرض خلق التوازن لديهم في حساب الأرباح والخسائر ، بين ما يحملونه من مسئوليات ، ويتحملونه من حرمان قد تفرضه عليهم ساحة العمل ، وبين ما سيحصلون عليه من أرباح ومنافع في الآخرة ، نتيجة طاعة الله في خط الدعوة والجهاد ، فيقودهم ذلك إلى المزيد من التحمل والصبر والإصرار على تحمل الآلام في سبيل الله.
(الَّذِينَ صَبَرُوا) وعاشوا آلام الصبر ، في العمق من مشاعرهم ، في مواجهة فراق ما كانوا قد اعتادوا عليه من نمط عيش في أوطانهم التي فارقوها ، حيث ذكريات الصبا ، ومراتع الطفولة ، والأجواء الاجتماعية الحميمة في وسط الأقرباء والأصدقاء الذين كانوا يحيطونهم بكل حبّ وحنان ورعاية ... وقد فقدوا ذلك كله ، وانتقلوا إلى أرض جديدة ، لا تربطهم بها أية مشاعر خاصة ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
