دعوتهم ، فهناك خطّ إيجابيّ يتعلق بالموقف من الله ، وهو أن يعبدوا الله وحده ، بكل ما تعنيه العبادة من التزام بإرادة الله وأوامره ونواهيه ، في كل شيء ، مهما كان صغيرا. وهناك خط سلبي يتعلق بالموقف من الناس ، وهو أن يجتنبوا الطاغوت ، بكل ما توحي به الكلمة من نهج الطغيان في الحكم والشريعة والمنهج والموقف والشخص ، الذي لا يلتقي بالله من قريب أو من بعيد. وبهذا يكون كل ما عدا الله طاغوتا ، بينما يكون الالتزام بالنهج الذي حدده الوحي ، عبادة لله وخضوعا له.
(فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ) بما هيّأه من وسائل الهداية التي تؤمّن الوصول إلى سواء السبيل (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) وثبتت في حياتهم ، لأخذهم بأسباب الضلالة ، التي جعلت من خلالهم نتيجة حتمية تفرضها علاقة المسببات بالأسباب. وهذه سنة الله في عالم الهداية والضلال ، فاقرأوها في ساحة الحياة وتاريخ السابقين ، وتعرّفوا النتائج السلبية للضلال وللتكذيب. (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) في ما أنزله الله عليهم من عذاب.
(إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ) ، فإن ذلك ليس ملك يديك ، لأن الهداية ليست نتيجة للكلمة التي تلقيها ، وللعمل الذي تقوم به في هذا الاتجاه ، بل هي ، إلى جانب ذلك ، نتيجة لحالة من يتلقاها الداخلية ، وللاتجاه الذي يتبناه إراديا حيال أسباب الهداية ، كما أن الله لم يجعل لك سلطة في تحريك إرادة الإنسان باتجاه معين ، بل ترك للأسباب أن تحدد نتائجها الطبيعية في الحياة ... وهكذا لا تكون المسألة مسألة حرصك ـ يا محمد ـ على هداهم (فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ) لأنّه لا يغير سنته في الكون في ما يجعله من أسباب للهداية والضلال. وسيلاقون جزاء أعمالهم ، ولن يستطيعوا الخلاص من ذلك مهما حاولوا ذلك وتوسلوا إليه من وسائل. (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) ينصرونهم من دون الله. وبهذا نعرف أن إضلال الله لهم لا يعني إجبارهم على ذلك ، بل
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
