الكونية للإنسان ، بحيث يشعر أن كل ما فيها من عناصر القوة كان رحمة من الله به ، وليس هذا هو كل شيء في مظاهر نعمة الله على الإنسان ، بل هناك الظواهر الأخرى المبثوثة في كل مكان من حوله ، وفي داخل جسمه ، مما أعدّه الله للإنسان ، لينعم به في كل ما يحتاج اليه.
(وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ) مما تحتاجه حياتكم ، في كل صغيرة وكبيرة ، مما تعرفون سرّه ، أو تجهلونه ، أو مما تحسون به ، أو لا تشعرون به ، ولكنكم تجدون آثاره في حياتكم. (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها) ، وكيف يستطيع الإنسان إحصاء مواقع نعم الله في حياته ، في مفرداتها الصغيرة والكبيرة التي تتجلى آثارها في كل لحظة ، بالمستوى الذي يجعل كل شيء من حوله مظهرا من مظاهر نعم الله عليه ، لعلاقته بالحياة التي يحياها ، في المبدأ وفي التفاصيل.
ولكن إحساس الإنسان اللازم بالشكر لهذه النعم العظيمة التي لا تحصى ، والتزامه بالطاعة والخضوع لله ، وتحريكه لتلك النعم في ما يرضاه له من وجوه الخير كتعبير عن ذاك الشكر ، لا يتمثل في سلوكه وفي حركة حياته ، (إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) فهو يظلم نفسه بالكفر والمعصية ، ولا يؤدي إلى ربه حقه من الشكر لنعمه ، بل يعيش الكفران والجحود في أكثر مظاهر وجوده ، عند ما يستعمل نعم الله عليه في معصية الله ، وهذا ما أشار إليه الإمام علي عليهالسلام في كلمات حدود فيها المستوى الأدنى لمسؤولية الإنسان أمام نعم الله عليه : «أقل ما يلزمكم لله ألا تستعينوا بنعمه على معاصيه» (١).
ولكن ما معنى هذا الوصف للإنسان بأنه ظلوم كفار ، هل هي صفة لازمة للإنسان في سرّ وجوده ، وخاصية من خصائصه الذاتية ، وإذا كان الأمر كذلك ، فما معنى المسؤولية عن سلوك لا إرادة له فيه ولا اختيار ، وكيف يعاقب
__________________
(١) نهج البلاغة ، قصار الحكم : ٣٣ ، ص : ٤٠٢.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
