مقدوراته وكلاهما في الوجود محصور عنده. وأما الذي لم يوجد من معلوماته ومقدوراته فلا يقال فيها إن بعضها أكثر من بعض لأنها غير موجودة. وقيل للنظام إن كنت مقرا بالقرآن ففيه قوله (وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) (١) ولو لم يكن أجزاء كل جنس من الخلق محصورة عنده ما أحصاها عددا.
المسألة الثالثة من هذا الأصل
في إثبات الأعراض
الخلاف في إثبات الأعراض مع الأصم ومع طوائف من الدهرية والسمنية نفوها كلها وزعموا أن المتحرك متحرك لا بحركة والأسود أسود لا لسواد يقوم به ونفوا جميع الأعراض. ودليلنا عليهم وجودنا الجسم يتحرك بعد كونه ساكنا ولا يجوز أن يكون تحركه لعينه لوجود عينه في حال سكونه غير متحرك فعلمنا بذلك أن تحركه كان لمعنى فيه غير ذاته وكذلك رأينا الجسم أسود بعد أن كان أبيض ولم يكن أسود لعينه لوجود عينه في حال لم يكن فيها أسود فعلمنا أنه كان أسود لمعنى قام به فمن سلم لنا قيام معنى به ونازع في اسمه والخلاف معه في الاسم دون المعنى. وهذه الدلالة صحيحة مستمرة على أصولنا ولا تستمر على أصول البهشمية من القدرية وذلك أنهم ينفون الإدراكات وإن صار الإنسان رائيا سامعا بعد أن لم يكن كذلك [وزعموا أن الموت ليس بمعنى وإن صار الجسم ميتا بعد أن كان حيّا] فأفسدوا على أنفسهم بذلك طريق الاستدلال على إثبات الأعراض. ومما يدل على إثبات الأعراض حصول فوائد الأعداد في الأفعال كقول القائل : ضربت زيدا عشرين سوطا وقد علمنا أن الضارب واحد والمضروب واحد والسوط واحد ، فعلمنا أن العشرين عدد راجع إلى غير الضارب والمضروب والسوط وذلك هو الضرب فصح أن الضرب أعراض غير الضارب والمضروب والآلة التي يقع بها الضرب [ولولاها بطلت فائدة هذا العدد وهذه الدلالة أيضا لا تستمر على أصل من نفي الإدراك من القدرية لأن القائل قد يقول أيضا : رأيت زيدا عشرين مرة والرائي
__________________
(١) سورة الجن آية ٢٨.
