وزعمت القدرية أن حقيقته فاعل الظلم ، وأجازوا أن يكون ظلم الظالم قائما بغيره. واعترضوا على أصحابنا في قولهم أن الظالم من قام به الظلم ، بأن قالوا : إنّ الظلم يقوم ببعض الظالم والجملة هي الظالمة. وهذا السؤال ساقط على أصل شيخنا أبي الحسن الاشعري ، لأنه يقول : إنّ محل الظلم من الجملة ، هو الظالم دون جملته. ومن قال من أصحابنا إنّ الظالم هو الجملة ، كما ذهب إليه القلانسي وعبد الله بن سعيد ، أجاز أن يقال إنّ الظلم قائم بالظالم وإن قام ببعضه كما يقال (١) عندهم للإنسان بكماله : عالم قادر لقيام العلم والقدرة ببعضه. فإن قالوا : لو كان الظالم من قام به الظلم لوجب أن يكون المشجوج (٢) والمقتول ظالمين بما حلّهما من الظلم الذي هو القتل والشجّة. قيل له ليس ما حلّ بالمقتول والمشجوج ظلما عندنا وإنما الظلم عندنا فيهما قائم بالقاتل والشاج عند تحريكه يده بما وقع عقيبه من الآثار الظاهرة في المقتول والمشجوج. ومما يدل على إبطال قولهم ، إنّ الكافر من فعل الكفر والظالم من فعل الظلم ، اتفاقهم معنا على أن الجهل بالله تعالى كفر به وقد وافقنا القدرية ، سوى النظّام والاسواري على أن الله تعالى قادر على أن يخلق في الكافر جهلا به ولو فعل مقدوره من ذلك لكان الجاهل كافرا به ولم يكن فاعلا. وفي هذا بطلان تحديدهم الكافر بفاعل الكفر.
المسألة الثانية من هذا الاصل
في بيان معنى الخلق والكسب
زعمت القدرية أن الكسب الذي يقول به أهل السنة غير معقول لهم وقالوا : لا وجه لنسبة الفعل إلى مكتسبه غير احداثه له. [واختلف أصحابنا في تفسير معنى الكسب فمنهم من قال للقدرية] وقال اصحابنا (٣) للقدرية انكم زعمتم ان افعالنا
__________________
(١) كما يقال [في الرجل أنه ساكن البلد وإن سكن في بعضه].
(٢) الشّجاج بالكسر جمع شجة ، تقول : شجّه يشجه ، بضم الشين وكسرها شجا فهو مشجوج وشجيج ومشجّج أيضا إذا كثر ذلك فيه ، ورجل أشجّ بيّن الشّجّة إذا كان في جبينه أثر الشجة.
(٣) [اختلف أصحابنا في تفسير معنى الكسب فمنهم من قال للقدرية ...].
