(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) هؤلاء الذين كذبوا الرسول وأنكروا الرسالة ، وكانوا ينهون أو ينأون عنه ، ليأخذوا حريتهم في فعل ما يطيب لهم ، إنك لن تجد أيَّ جهد في العثور عليهم ، فهم بارزون أمام كل ناظر ، فيمكن لكل من يملك عينين مفتوحتين أن يراهم حين يوقفون على النار ليدخلوها ، جزاء أعمالهم في الدنيا. وهنا تبرز صورتهم من الخارج ومن الداخل ، فها هم يواجهون الموقف الصعب بالتراجع عن كل مواقفهم السابقة ، من تكذيب الرسل ، وإنكار الإيمان ، وقد أراد الله إظهار ذلك ، فترك لهم حريّة الكلمة الأخيرة المعبّرة عن حالة السقوط النفسي المهين بإطلاق التمنيات اليائسة الذليلة ، بأن يردّوا إلى الدنيا ، ليرفضوا عندها تكذيب آيات ربّهم ، ويلتزموا خط الإيمان .. فقد اتضح الأمر لديهم وبان ، ولم يبق لديهم أيّة شبهة حول الإيمان ونتائجه ، وهكذا كان.
(فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ولكن هل هذا الموقف ناتج عن قناعة مرتكزة على أساس ثابت بعيدا عن الأجواء الطارئة الضاغطة على المشاعر ، أم أنّ الموقف هو موقف الصدمة المفاجئة التي تهزّ المشاعر ، حتى إذا أفاق الإنسان منها رجع إلى مواقعه السابقة كما لو لم يكن حصل أيّ شيء في حركة الموقف ، وفي مستوى المسؤولية؟! قد لا تستطيع الحالة السريعة أن تعطينا فكرة عن هذا أو ذاك ، ولكن ما يكمن في خلفية الشخصية وعمقها وامتدادها يمكن أن يكشف عن الحقيقة الكامنة في الداخل ، فنكتشف ـ من خلالها ـ أنّ هؤلاء لا يعيشون الجدية في مواجهة المسؤولية ، بل يقابلونها باللّامبالاة الوجدانيّة ، ولذلك جمّدوا فكرهم أمام كل مواقع الإثارة الفكرية والعملية ، فلم يتوقفوا عند علامات الاستفهام العريضة التي كانت تخاطب فكرهم عند ما كانوا في الدنيا ، بالرغم من كل المؤثرات والدلائل التي كانت تفرض التوقف عندها ، بل كل ما فعلوه أنهم خضعوا للأجواء المثيرة المنفعلة بالجوّ الطارئ فيما يوحيه ويثيره ، حتى إذا ابتعد عنهم ـ من
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
