يستوعب الحياة التي تتحرك في مسيرتها صعودا وهبوطا من خلال مفاهيم الحق والباطل ، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ).
* * *
الظالمون المفترون الكاذبون لا فلاح لهم
ولكن هل يتصور هؤلاء أنهم قد ربحوا الجولة الأولى ، وربحوا معها أنفسهم ، وأفلحوا في الوصول إلى السعادة؟ إن الله يواجههم بالحقيقة المرّة الصارخة : (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) فسيواجهون نتائج أعمالهم السيّئة في الدنيا والآخرة ، وسيتبخر في الهواء كل ما بنوه من أحلام ، وكل ما حصلوا عليه من امتيازات .. وسيقفون غدا بين يدي الله ، في وقفة حساب وحوار : (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) أين الآلهة التي كنتم تدعونها من دون الله ، أو تعبدونها معه؟ ففي يوم القيامة فقط تتكشّف المواقف الحقيقية دون لفّ أو دوران ، لأن كل إنسان ينزع عن نفسه أو ينزع عنه القناع الذي كان يلبسه لإخفاء شخصيته ، على أساس ما يملك من مال أو جاه أو امتياز خاصّ أو عامّ ، ويقف عاريا لا يملك إلّا صفاته وأعماله.
ويتحداهم السؤال في ضغط الموقف عند ما يواجهون عذاب الله ، فلا يجدون منفذا للخلاص ، ولا مجالا للهرب إلا بالإنكار ، (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) إنه الموقف الصعب ، الذي يمثل فتنة واختبارا لصلابة القاعدة التي يخضع لها الإنسان مواقفه ، فتبدو مجرّد رماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف ، فانهارت أمام ذلك كل القناعات التي كانوا يلتزمون بها في أوضاعهم الاستعراضية ، فبينما كانوا يتبجّحون بالشرك في دنياهم ، إذا بهم يهربون من مجرد نسبته إليهم في أخراهم ، وذلك بتأكيد النفي بالحلف بالله ربّهم ، كمظهر من مظاهر الضعف النفسي للمشركين أمام مواقف المواجهة الحاسمة.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
