الآية الكريمة : (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا) [النساء : ١٦٠].
وفي مجمع البيان : وقيل إن ملوك بني إسرائيل كانوا يمنعون فقراءهم من أكل لحوم الطير والشحوم فحرّم الله ذلك ببغيهم على فقرائهم ، ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره. ويتساءل صاحب مجمع البيان حول موضوع انطلاق التكليف من موقع العقوبة فيتابع قائلا : ويسأل فيقال : كيف يكون التكليف عقوبة ، وهو تابع للمصلحة وتعريض للثواب؟ وجوابه أنه إنما سمي جزاء وعقابا ، لأنّ عظيم ما فعلوه من المعاصي اقتضى تحريم ذلك وتغيير المصلحة فيه ، ولو لا عظم جرمهم لما اقتضت المصلحة ذلك (١).
ونلاحظ على ذلك ، أنّ مثل هذه التعليلات الاعتراضية والجوابيّة ، خاضع للمدرسة العقليّة الفلسفية التي تحاول أن تخضع خطّ التكاليف للمصالح والمفاسد الكامنة في طبيعة الأشياء ، ولكننا نعتقد أن من الممكن أن تكون المصالح والمفاسد كامنة في إصدار الأحكام ، وذلك من ناحية تأديبيّة ، في ما تقتضيه خطّة التأديب التي تفرض على الناس تنفيذها ، إلى مرحلة معينة ، كما نجده في ما حكاه الله عن عيسى عليهالسلام (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) [آل عمران : ٥٠] وربما كان هذا هو مقصود صاحب مجمع البيان.
(وَإِنَّا لَصادِقُونَ) في ما نخبركم به من قضايا التحريم في الماضي وفي الحاضر ، (فَإِنْ كَذَّبُوكَ) واستمروا في ضلالهم وتمرّدهم (فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) ومن رحمته أنه لا يعاجل المكذّبين بالعقوبة ، بل يمهلهم ويفتح لهم باب التوبة ، ليرجعوا إليه ويتراجعوا عمّا هم فيه من العصيان والتمرّد ، ولكنه لا يهمل العاصين والظالمين إذا استمروا ، وليس لهم من أحد يدافع عنهم أمام الله ، (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) فسيواجهون عذابه ، إذا أصرّوا على أن يكونوا من القوم المجرمين.
* * *
__________________
(١) م. س ، ج : ٤ ، ص : ٤٧٠ ـ ٤٧١.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
