إيمان الرسول لا يغيره كفر الجاحدين
(وَكَذلِكَ) كما قرأت وتلوت وحفظت مما أوحى به الله إليك ، (نُصَرِّفُ الْآياتِ) نحوّلها من فكرة إلى فكرة ومن أسلوب إلى أسلوب .. وتتنوّع المفاهيم ، وتختلف الصور ، وتزداد الآفاق المنطلقة مع المعرفة رحابة وامتدادا ، وتنفتح الأفكار وتتكاثر عمقا واتساعا ، فإذا بالثقافة تملأ الكون ، وإذا بالرسالة تشمل الحياة ، ويتحيّر هؤلاء الذين ينكرون رسالتك ، ويبتعدون عن هداها ، من أين لمحمد صلىاللهعليهوآلهوسلم كل هذا الفكر وكلّ هذا العلم؟ ويغيب عنهم وجه الحق ، في ما يملكون من وسائل التفكير .. فهم يجهلون عمق المعرفة التي جاءهم بها ، وامتداد الأفكار التي أطلقها ، مما لا يمكن أن يكون فكر بشر ، أو وحي إنسان (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) لأنهم لا يفهمون معنى أن ينزل الله وحيه على بشر منهم فيكون نبيّا ، فيحاولون إرجاع ذلك كله إلى دراسته على اليهود.
(وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ويميّزون بين الوحي وبين كلام البشر ، فيؤمنون به ويعملون بأحكامه ، فهؤلاء هم الذي يعيشون مسئولية المعرفة ، فينتبهون لكل ما يسمعونه ، فيفكرون فيه ، من أجل الوصول إلى القناعات الحقيقية بالأشياء.
ليقل هؤلاء ما طاب لهم القول ، ولينسبوا القرآن إلى ما تعلمه النبي من اليهود ، فليس في ذلك مشكلة بالنسبة للرسول ، ما دام يؤمن بكل وجدانه وشعوره وكيانه أن القرآن وحي من ربه. فإن المهمّ أن يؤمن صاحب الرسالة برسالته ، ليقف معها بكل صدق وبكل قوّة ، فلا يزيده إيمان من آمن ، شدّة إيمان ، ولا ينقصه في ذلك كفر من كفر ، لأنه لا يستعير ثقته بقناعاته من إيمان المؤمنين ، بل من ثقته بالرسالة التي يحمل ، وهو ما يريد الله له أن يعيشه ويعزّزه في قوّة الموقف الرافض لكل ما حوله من أوهام الكفر ، وشبهات الضلال ، فلا يتوقف على مشارف الطرق ، بل يتقدم بكل وثوق وطمأنينة ليتابع سيره.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
