علاقة الآية بمسألة الجبر والحرية
وجاء المتكلمون ليفلسفوا هذه الآية ، هل الله خالق كل شيء دون استثناء ؛ الخير والشرّ ، العدل والظلم ، الكفر والإيمان؟ وإذا كان الأمر كذلك فأين هو موقع حرية الإنسان في ما يريد ويختار؟ وإذا لم يكن كذلك؟ فأين هي القدرة المطلقة التي يتصف بها الله ، عند ما تخرجون بعضا من حركة الوجود في هذا الكون عن مجال قدرته؟
ولكن المسألة في هذه الفقرة ، لا تتجه باتجاه الشمول والسعة ، فهي تريد تقرير المبدأ في مواجهة الآخرين الذين يشركون بعبادة الله من هو مخلوق له ، وليست في صدد الحديث عن تفاصيل المخلوقات الموجودة في عالم التكوين وفي حركة فعل الإنسان.
وربما كان من المناسب لجوّ الآية ، أن يكون الحديث فيها عن جانب التكوين في الأشياء ، لأنه الذي يتعلق به الخلق ، أمّا الصفات والعناوين التي تتعلّق بفعل الإنسان ، فإنها لا ترتبط بالجانب الذاتي للفعل ، بل ترتبط بالجانب الاعتباري ، فإن الفعل الصادر من الإنسان لا يتغيّر في صفاته الذاتية ، عند ما يكون ظلما أو عدلا ، بل هو فعل واحد ، في كلتا الحالتين ، لأن معنى أن يكون ظلما ، أن يكون صادرا على خلاف وجه الحق ، كما أن معنى أن يكون عدلا ، هو أن يكون صادرا عن وجه حق. وهو من الأمور التي تدخل في عملية الإرادة الإنسانية التي تعطي للفعل وجهه الحسن أو القبيح ، ولا تدخل في عملية الخلق والتكوين ، فالظلم يبدأ فكرة في عقل الإنسان ، إلى جانب العدل ، كفكرة تعيش في تفكيره ، وكذلك كل أفكار الخير والشرّ ، ثم تتحول الفكرة هنا وهناك ، إلى حركة في الفعل ، لتتحول إلى واقع حيٍّ ، يدفع بالحياة إلى السلبية أو الإيجابيّة من خلال إرادة الإنسان.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
