الانسحاق الكلي الذي لا يملك الإنسان ـ معه ـ لنفسه أيّة قوّة أو ثبات ، وليركز في نفسه قيمة البحث عن العزّة في الآخرة ، إذا كان يفكر بهذه القيمة الإنسانية لأنها ترتكز على قاعدة قويّة في ما ترتبط به ، من رضوان الله من جهة ، وما تنطلق به من العمل الصالح من جهة أخرى ..
أمّا عزّة الدنيا فإنها لم ترتكز على هذين العاملين ، فهي لا تملك قيمة ذاتية تذكر ، لأنها ترجع إلى عوامل طارئة ، في ما يملكه الإنسان من مال ، وفي ما يعيشه من علاقات وأوضاع ومواقف ، بعيدا عن العمق الروحي الذي يهيمن على كل أبعاد النفس ، فلا يترك فيها أيّ موقف للذل أمام نزوة أو شهوة أو طمع طارئ ..
وقد نتوقف عند كلمة (بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِ) فنرى أن إعطاء الشرك هذا العنوان ، وهو القول على الله بغير الحق ، يدلّ على أن الله يريد من الإنسان أن يكون صادقا معه ، في ما يعتقده من عقائد ، وفي ما يثيره من أفكار ، أو يقفه من مواقف .. فلا بدّ له من التأمّل والتركيز على العمق في سبيل الحصول على القناعات الإيمانية والفكرية والعمليّة ، لأن أيّ فكر حقّ ، هو قول على الله بالحق ، بينما يكون الفكر الباطل قولا عليه بغير الحق في ما يمثله الحق من ارتباط بالله ، الأمر الذي يبعد القناعة بالحق والباطل أن تكون حالة ذاتية شخصية مرتبطة بالشخص ، فيجعلها حديثا مرتبطا بالله ومنسوبا إليه ، فتكون النسبة إليه صدقا في حالة ، وافتراء في حالة أخرى.
وقد نتوقف عند كلمة (عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) فهي توحي ، أنّ موقف الكفر أو الابتعاد عن الحق لا يمثّل حالة فكرية موضوعيّة مضادّة لخط الإيمان ، بل يمثّل ـ في عمقه ـ عقدة ذاتية استعلائية تمنع الإنسان من الخضوع للحق ، الذي يعتبرونه خضوعا لدعاة الحقّ ، وتنازلا ذاتيّا عن قناعاتهم التي يعتبرونها جزءا من الذات ، مما يجعل من التعصب لها تعصبا
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
